
عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن حقوق الولايات المتحدة في كندا وجرينلاند وقناة بنما في تصريح واحد، بدا في البداية وكأنه يعلن عن أهداف استراتيجية تقليدية كما تفعل أي إدارة أمريكية جديدة.
مع مرور الوقت، أصبح واضحًا أنه يتحدث عن سياسة التقييد وليس التوسع، الأمر الذي أعاد اهتمام الإعلام العالمي بعقيدة مونرو التاريخية.
قبل أشهر، أشرنا إلى أن ترامب ليس مهتمًا بقاعدة باجرام الجوية في أفغانستان بل يركز بهدوء على الانسحاب من أوروبا وكوريا واليابان وهذا التوجه أكدته الوثيقة الرسمية لاستراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها إدارته مؤخرًا لتصبح سياسة التقييد جزءًا رسميًا من السياسة الأمريكية.
مع انتشار الوثيقة، تبين أن وسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في نشر فهم خاطئ لعقيدة مونرو، إذ روجت بعض التقارير إلى أن العقيدة تمنع القوى الأجنبية من التدخل في القارة الأمريكية بينما تمنح الولايات المتحدة الحق في التدخل في أي مكان آخر وهذا تفسير غير صحيح. العقيدة الأصلية لم تتضمن أي فكرة عن السيطرة الأمريكية على دول أمريكا اللاتينية.
عقيدة مونرو (Monroe Doctrine) صدرت عام 1823 عن الرئيس جيمس مونرو في رسالته السابعة للكونجرس وجاءت في سياق تحرر دول أمريكا اللاتينية حديثًا من الإمبراطوريتين الإسبانية والبرتغالية.
ركزت العقيدة على ثلاث نقاط رئيسية: منع الإمبراطوريتين الإسبانية والبرتغالية من المطالبة مجددًا بأراضي أمريكا اللاتينية ومنع الدول الأوروبية من إرسال قوات إلى المنطقة لأي غرض والتزام الولايات المتحدة بعدم التدخل في الحروب الأوروبية أو شؤون أمنها.
لم تتضمن العقيدة أي تلميح حول سيطرة أمريكا على دول أمريكا اللاتينية وكانت تعكس دورًا محدودًا لأمريكا التي لم تكن قوة عالمية آنذاك.
مع مرور القرن، تحولت العقيدة عمليًا لتبرير التدخل الأمريكي في المنطقة. ركزت واشنطن على تأمين أراضيها بما في ذلك القضاء على السكان الأصليين والاستيلاء على كاليفورنيا ثم جاء التدخل في كيوبا وبورتوريكو وغوام والفلبين بعد حرب 1898 ضد إسبانيا ما أسس نفوذًا أمريكيًا طويل الأمد في هذه المناطق.
وفي عام 1902، تدخلت الولايات المتحدة لحماية فنزويلا من التدخل البريطاني والفرنسي بسبب القروض المتعثرة مؤكدة على دورها كـ “شرطة المنطقة” وهو الأساس الذي استخدم لاحقًا لتبرير التدخلات المباشرة في أمريكا اللاتينية.
خلال عهد فرانكلين روزفلت، قدمت سياسة “الجوار الطيب” التي أعلنت أن أمريكا ستسعى لعلاقات ودية مع جيرانها في أمريكا اللاتينية دون تدخل أو خصومة. لكن الحرب العالمية الثانية قلبت هذا التوجه وأصبحت أمريكا ضابط الأمن الرئيسي في العالم بعد أن خرجت الحرب دون أن تلحق أضرارًا بمدنها أو اقتصادها وعقب انهيار الاتحاد السوفيتي، حافظت الولايات المتحدة على هذا الدور لنحو 30 عامًا لتصبح القوة العالمية المهيمنة.
اليوم، تؤكد استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب أن الولايات المتحدة تعود إلى دورها التقليدي في حماية القارة الأمريكية مع الحد من التدخلات الخارجية مع الحفاظ على النفوذ في أمريكا اللاتينية، بينما تواجه تحديات في مناطق أخرى مثل البحر الأحمر.
وحتى الآن، لم يبدأ أي هجوم على فنزويلا واستقال اثنان من كبار قادة البحرية الأمريكية واستدعى الكونجرس وزير الدفاع ما يعكس أن عقيدة مونرو عادت اليوم أكثر كمرجع تاريخي واستراتيجي وليس كأداة للتوسع أو الهيمنة العالمية.
المقال باللغة الأردية كتبه المحلل العسكري الباكستاني رعايت الله فاروقي وتم نقله إلى اللغة العربية بواسطة ثاقب أحمد والآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News.




