
ثاقب احمد
تشهد العلاقات بين السعودية والإمارات مرحلة توتر غير مسبوقة على خلفية الخلاف المتصاعد حول مستقبل اليمن ولا سيما التطورات المتسارعة في جنوب البلاد حيث أعاد الحديث عن احتمال إعلان دولة جنوبية مستقلة خلط الأوراق داخل التحالف الذي جمع الطرفين لسنوات. هذا التوتر لم يعد محصورا في كواليس السياسة بل خرج إلى العلن عبر مواقف وتصريحات وإجراءات ميدانية تعكس عمق التباين في الرؤى والمصالح.
جوهر الخلاف يتمحور حول شكل الدولة اليمنية المقبلة وطبيعة النفوذ داخلها. فالسعودية تنظر إلى اليمن بوصفه امتدادا مباشرا لأمنها القومي وحدودها الجنوبية وتتعامل مع وحدته واستقراره كأولوية استراتيجية لا تقبل المساومة. في المقابل، تتعامل الإمارات مع الجنوب اليمني من زاوية مختلفة ترى فيها مزيجا من الفرص السياسية والاقتصادية والموقع الجغرافي المؤثر على طرق التجارة والملاحة الدولية.
منذ بداية الحرب اليمنية عام 2015، بدا التنسيق العسكري والسياسي بين الرياض وأبوظبي وثيقا غير أن هذا الانسجام أخفى تحت سطحه تباينات عميقة. فبينما ركزت السعودية على مواجهة الحوثيين ومحاولة إعادة بناء سلطة مركزية موحدة، اتجهت الإمارات تدريجيا إلى بناء شبكة نفوذ محلية في الجنوب كان أبرزها دعم المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يطالب صراحة بالانفصال واستعادة دولة الجنوب السابقة.
لسنوات، افترضت دوائر سياسية ودبلوماسية سعودية أن دعم الإمارات للمجلس الانتقالي سيبقى ضمن سقف معين وأن أبوظبي ستضغط في لحظة ما باتجاه حلول وسط مثل توسيع الحكم الذاتي أو تعزيز تمثيل المجلس داخل مؤسسات الدولة وخصوصا مجلس القيادة الرئاسي. غير أن التطورات الأخيرة أظهرت أن هذا الرهان لم يكن في محله.
خلال الأسابيع الماضية، نفذت قوات المجلس الانتقالي تحركات ميدانية واسعة في محافظات جنوبية وشرقية، أبرزها حضرموت، أكبر محافظات اليمن وأكثرها أهمية من حيث الموارد الطبيعية والموقع الاستراتيجي. هذا التوسع السريع منح المجلس سيطرة شبه كاملة على جغرافيا دولة الجنوب السابقة، بما في ذلك حقول نفط حيوية، واقترب من مناطق ذات حساسية خاصة للسعودية سواء لأسباب أمنية أو تاريخية.
هذه التحركات شكلت صدمة حقيقية للرياض التي رأت فيها تجاوزا لخطوط غير معلنة وتهديدا مباشرا لتوازنات كانت قائمة. وجاء الرد السعودي عبر تصعيد سياسي وعسكري تمثل في استهداف آليات أثناء تفريغها في ميناء المكلا مع إعلان واضح أن هذه المعدات موجهة لاستخدام المجلس الانتقالي وأن مصدرها موانئ إماراتية. الرسالة السعودية كانت مباشرة: أي مساس بالأمن القومي خط أحمر ولن يتم التساهل معه.
في المقابل، نفت الإمارات الاتهامات الموجهة إليها وأكدت أنها لا تستهدف أمن السعودية ولا تسعى إلى تقويضه وأعلنت سحب ما تبقى من قواتها العسكرية من اليمن بحجة الحفاظ على سلامتها. غير أن هذا الإعلان لم يغير كثيرا في جوهر الأزمة إذ إن الدعم السياسي والعسكري للمجلس الانتقالي ظل قائما ما جعل الخطوة تبدو محدودة الأثر.
سياسيا، تحاول الرياض حشد موقف إقليمي ودولي رافض لأي مسار يقود إلى تقسيم اليمن مؤكدة أن أي كيان جنوبي منفصل سيظل بلا اعتراف دولي وبقدرات محدودة وأن استقرار اليمن لا يمكن أن يتحقق إلا ضمن دولة موحدة. في المقابل، تواصل أبوظبي الدفاع عن خياراتها وتقدم دعمها للمجلس الانتقالي باعتباره استجابة لتطلعات شعبية جنوبية قديمة تعود جذورها إلى ما قبل وحدة عام 1990.
هذا التباين انعكس أيضا في الخطاب العام داخل البلدين. ففي الإمارات، برزت أصوات أكاديمية وإعلامية تعتبر دعم الحلفاء مسألة مبدئية وترى في التراجع خسارة سياسية وأخلاقية. وفي السعودية، تصاعد خطاب يؤكد أن المرحلة لم تعد تحتمل الغموض وأن أمن البلاد واستقرار حدودها يتقدمان على أي اعتبارات أخرى.
الأزمة لا تقف عند حدود اليمن. فالتوتر السعودي الإماراتي يمتد إلى ملفات إقليمية أخرى، من بينها السودان والقرن الأفريقي، حيث يقف الطرفان في مواقع متباعدة ويدعمان أطرافا مختلفة. هذا التداخل بين الساحات يزيد من خطورة التصعيد ويجعل أي مواجهة في اليمن قابلة للتمدد إلى صراعات أوسع.
التاريخ يكشف أن العلاقات بين السعودية والإمارات لم تكن خالية من التوتر. معاهدة جدة عام 1974 لحلت جزءاً من الخلافات الحدودية والأراضي الغنية بالنفط لكن النزاعات حول بعض البنود ما زالت قائمة. في 2009، نشأت أزمة حول إنشاء بنك مشترك لتعزيز الوحدة الاقتصادية وانسحبت الإمارات لاحقا من المشروع. الخلافات شملت أيضا إنتاج النفط وقرارات أوبك وتجارة النفط غير التقليدية وحق استضافة الشركات الدولية.
في هذا السياق، يرى مراقبون أن الخلاف الحالي يمثل أخطر اختبار للعلاقة بين الرياض وأبوظبي منذ سنوات وأنه يعكس تحولا أعمق في طبيعة التحالفات الخليجية التي باتت تحكمها حسابات المصالح المباشرة أكثر من الشعارات المشتركة. كما يحذر محللون من أن هذا الانقسام يمنح الحوثيين فرصة استراتيجية عبر إضعاف جبهة خصومهم واستثمار الخلاف لصالحهم.
رغم حدة التصعيد، لا يزال باب الاحتواء مفتوحا. فالمصالح الاقتصادية والسياسية المشتركة بين السعودية والإمارات كبيرة والانزلاق إلى مواجهة مفتوحة سيحمل كلفة باهظة على الطرفين وعلى استقرار الخليج ككل. لذلك، تبدو المرحلة المقبلة مرهونة بقدرة الطرفين على إعادة ضبط الخلاف، إما عبر تفاهمات جديدة حول اليمن أو عبر إدارة التنافس دون السماح له بالتحول إلى صدام مباشر.
وفي الختام، يكشف المشهد اليمني اليوم عن تحولات عميقة في موازين القوى والتحالفات الإقليمية ويؤكد أن اليمن لم يعد فقط ساحة صراع داخلي بل بات مرآة لتنافس إقليمي حاد، ستحدد مآلاته شكل العلاقة بين قوتين خليجيتين محوريتين ومستقبل الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق الشرق الأوسط حساسية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لـ UrKish News.




