آراء و مقالاتحوار

هل يقود التنافس الدولي إلى إعادة ترتيب الشرق الأوسط؟

فريق UrKish News

تشهد الساحة الدولية منذ أكثر من قرن تنافسًا مستمرًا بين القوى الاقتصادية الكبرى حيث تتحول المنافسة الاقتصادية في النظام الرأسمالي إلى صراعات سياسية قائمة على البقاء والتفوق. اليابان كانت أول دولة غير أوروبية نجحت في تبني وسائل الإنتاج الحديثة ما منحها قوة سياسية واقتصادية وفرض على أوروبا مواجهة واقع استراتيجي جديد. روسيا، الدولة شبه الأوروبية الثانية، واجهت محاولات الغرب لإضعافها لكنها حافظت على سيادتها جزئيًا بفضل مواردها الطبيعية وقدراتها النووية.
اليوم، تمثل الصين النموذج الثالث، دولة استطاعت من خلال الإنتاج الحديث تحقيق ازدهار اقتصادي وسيطرة سياسية وهو ما جعل الحفاظ على التفوق الغربي أكثر تعقيدًا في القرن الحادي والعشرين.

مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحرب التجارية عام 2025، أصبح الهدف واضحًا: إعادة هيكلة النظام التجاري العالمي واستبعاد الصين من مراكز القوة الاقتصادية. فشل هذا التوجه جزئيًا دفع الولايات المتحدة إلى المرحلة الثانية التي تركز على تفكيك منظومة العرض والطلب الصينية عالميًا دون اللجوء إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

تركز هذه المرحلة على محورين رئيسيين كما أشار إليه المفكر الباكستاني محمد دين جوهر. المحور الأول مرتبط بالطاقة حيث تعتبر روسيا وإيران وفنزويلا ودول الشرق الأوسط ركائز أساسية لإمدادات الطاقة المتجهة إلى الصين. السيطرة الأمريكية على فنزويلا أغلقت نوعا ما أحد المنافذ الحيوية للطاقة والآن تتجه الأنظار إلى إيران والمنطقة المحيطة بها مع تصاعد الاضطرابات الداخلية والتوترات السياسية.
الهدف من هذه الاستراتيجية متعدد: قطع خطوط الطاقة عن الصين وتحييد إيران بما يخدم الأمن الإسرائيلي وضمان تفكيك المجتمعات الإسلامية كما حدث في أوروبا خلال الحربين العالميتين.

إيران: ساحة صراع مباشر ومتعدد الأبعاد
الاضطرابات الأخيرة في إيران بدأت باحتجاجات محلية لكنها سرعان ما تحولت إلى ساحة تدخل دولي. لم يكن الهدف إسقاط النظام بشكل مباشر لكن إعادة ترتيب الهيكل السياسي والإداري في إيران تمثل خطوة استراتيجية في مواجهة النفوذ الصيني.
المرحلة التالية تتركز في آسيا الوسطى، المنطقة المعروفة بالخاصرة الرخوة لروسيا، بهدف خلق ضغط سياسي داخل موسكو وقطع خطوط الطاقة الحيوية المتجهة إلى بكين.

بعد فشل الولايات المتحدة والدول الغربية في استنزاف روسيا عبر أوكرانيا، أصبحت آسيا الوسطى محورًا رئيسيًا للتحرك الأمريكي ما يضمن ضرب مصالح روسيا والصين معًا. في هذا السياق، يظل دور باكستان محوريًا باعتبارها عنصرا حاسمًا في موازين القوى الإقليمية وأحد اللاعبين الرئيسيين في أي خطة مستقبلية لإعادة ترتيب الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

الاضطرابات الإيرانية والسياسة الإقليمية
الاضطرابات في إيران ليست عفوية. العملية بدأت منذ يونيو 2025 وشملت سحب الريال الإيراني من السوق وشرائه بكثافة ما أدى إلى انخفاض قيمته بنحو 40%. الاحتجاجات جاءت كنتيجة مباشرة لهذا التحرك الاقتصادي. الشرطة الإيرانية لم تواجه الاحتجاجات السلمية لكن لاحقًا تسللت مجموعات مسلحة كردية وبلوشية ما حول الاحتجاج إلى أعمال عنف وتخريب وأسفر عن مقتل أكثر من 100 عنصر أمني.

في تلك الفترة، صدرت تصريحات من ترامب تهدد بالتدخل العسكري حال استهداف المتظاهرين ما مثل السقف السياسي للخطة الأمريكية. لكن المشهد تغير مع تدخل خمس دول لدعم إيران عبر أجهزتها الاستخباراتية.
روسيا والصين قدمتا دعمًا تقنيًا وعطّلتا شبكة ستارلينك في حين تولت السعودية وتركيا وباكستان إدارة التحركات الميدانية من بلوشستان وصولًا إلى الحدود الإسرائيلية، وفق ما أفاد المحلل العسكري الباكستاني رعايت الله فاروقي.

التحول التركي لفت الأنظار وأكد الإعلام الإيراني الرسمي أن أنقرة دعمت إيران هذه المرة وهو مرتبط بالضغط الإسرائيلي في سوريا. الدور السعودي أيضًا أثار التساؤلات والجواب مرتبط باليمن حيث وقفت إيران إلى جانب السعودية في المواجهات الأخيرة ضد قوات إماراتية كما يظهر في ملف أرض الصومال حيث ألغت الصومال اتفاقياتها مع أبوظبي.

تكتل عسكري إسلامي محتمل
تشير المعطيات الحالية إلى تشكل تكتل عسكري إسلامي محتمل نواته باكستان والسعودية وإيران وتركيا. ميزان القوى واضح:

باكستان: القوة النووية الإسلامية الوحيدة.
السعودية: لاعب جيوستراتيجي ذو نفوذ سياسي دولي واسع.
تركيا: قوة عسكرية وصناعة دفاعية متقدمة خاصة في الطائرات المسيّرة وبناء السفن.
إيران: محور مقاومة مستمر ضد النفوذ الأمريكي والإسرائيلي.

مسارات الهجوم الإسرائيلي على إيران معروفة، سواء عبر سوريا وتركيا وصولًا إلى أذربيجان وبحر قزوين أو عبر الأجواء العراقية. توحّد تركيا والسعودية وباكستان يحد من هذه المسارات بشكل كبير.

الاستنتاج
تحويل هذا التقارب الإقليمي إلى منظومة دفاعية متكاملة يتطلب وقتًا، بدءًا من إتمام التفاهمات وصولًا إلى التنفيذ الميداني. ومع ذلك، تشير المؤشرات إلى أن الشرق الصاعد يشهد حضورًا إسلاميًا منظمًا في ظل بيئة دولية تتصدرها روسيا والصين.

وتظل المخاطر قائمة حيث يلوح خطر ضربة أمريكية إسرائيلية على إيران إلا أن الدعم السياسي والعسكري من الحلفاء يشكل عاملًا موازنًا قد يحد من آثار أي تصعيد محتمل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى