
ثاقب أحمد
يشكل الإنسان مزيجًا من ثلاثة عناصر أساسية: الوعي والنفس والإرادة. يحدد الوعي مدى التزام الإنسان بالمبادئ بينما تمثل النفس مجموع الحالات الداخلية والملامح الأخلاقية، والإرادة أداة تحويل القيم والمبادئ إلى أفعال. هذه المكونات الثلاثة تتأثر بشكل مستمر بالعوامل التاريخية والاجتماعية مما يجعل الإنسان عرضة لإعادة تشكيل داخليته وفق هذه المؤثرات.
في العصر الحديث، يعيش الإنسان تحت تأثير مستمر وقوي من العلم والدولة والاقتصاد والثقافة وهي مؤثرات لا تترك مجالًا للانفصال عنها. الحداثة تمنح قدرة غير مسبوقة على تشكيل الإنسان وتحويله إلى كائن متكيف مع متطلبات العالم الجديد.
السؤال الجوهري هنا هو: هل العوامل التاريخية وحدها تحدد هوية الإنسان أم أن لديه القدرة على تشكيل داخليته وفق قيم مستقلة تتجاوز التاريخ؟
الحضارة الإسلامية حافظت على هذه التوازنات الداخلية من خلال تطوير علوم متعددة: علم الكلام لتنظيم الفكر والوعي والتصوف لتنمية النفس والفقه لتنظيم الإرادة. هذه العلوم كانت تهدف إلى توجيه الإنسان نحو قيم الحق وتحقيق التوازن بين داخليته والواقع المحيط به.
لكن الإنسان المعاصر يعيش في عالم تغيّرت فيه المعرفة والثقافة بشكل جذري إذ أصبحت مادية بالكامل وتراجعت القيم الروحية والأخلاقية تدريجيًا. في هذا السياق، تظهر تحولات نفسية عميقة جعلت أساليب التصوف التقليدية غير قادرة على التأثير.
فإذا اعتبرنا النفس كماء فإن التصوف التقليدي كان قادرًا على تعديل حرارته عبر العبادة والمجاهدة. أما اليوم، فقد أصبحت النفس أشبه بكتلة جليد صلبة وغير قابلة للتشكيل تتكسر فقط تحت ضغوط الحياة ما يولد حالات الحزن العميق والاغتراب النفسي.
الحزن العميق والاغتراب يمثلان تحولين وجوديين يتجاوزان التحولات الأخلاقية التقليدية. الحزن العميق (Melancholy) نشأ مع انتشار العلوم اليونانية خلال النهضة الأوروبية وأدى إلى اضطرابات في يقين الإنسان الديني. بينما الاغتراب (Alienation) ظهر مع التنوير والصناعات الحديثة حيث أصبح الإنسان مجرد مورد من موارد العملية الإنتاجية ما أدى إلى كتمان الذات وفقدان القدرة على الارتباط بالقيم، كما أشار إليه المفكر الباكستاني “محمد دين جوهر“.
التصوف التقليدي الذي يقوم على التزكية الداخلية، أصبح غير قادر على معالجة هذه التغيرات العميقة. القيم الأخلاقية والنفسية فقدت فعاليتها وأصبح النشاط اليومي محكومًا بالمؤثرات الميكانيكية لا بالقيم. هذا يعني أن التصوف في صورته التقليدية لم يعد وسيلة فاعلة لتحقيق التوازن الروحي والأخلاقي للإنسان الحديث.
الحل المقترح يكمن في العودة إلى العقيدة ليس بشكل حرفي جامد، بل من خلال استعادة قيمها التنزيهية التي تمكن الإنسان من التحرر من التبعية الميكانيكية للعوامل التاريخية والاجتماعية وإعادة بناء داخليته على أسس ثابتة ومستقلة.
بالتالي، تصوف المستقبل لن يكون مجرد ممارسة أخلاقية بل مشروعًا لإعادة تشكيل الإنسان المعاصر على أسس معرفية وروحية تتجاوز التأثيرات المادية والتكنولوجية للعصر الحديث.
هذا التحليل يظهر أن العلاقة بين التصوف والإنسان الحديث لم تنتهِ لكنها تحتاج إلى إعادة قراءة جذرية تراعي التحولات النفسية والاجتماعية العميقة التي فرضتها الحداثة.
التصوف لم يعد قادرًا على العمل بشكل منفصل عن إعادة بناء العقيدة والقيم وإلا فإن دوره سيظل محدودًا في مواجهة تحديات الإنسان المعاصر.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News.




