
حسن محمود
شهدت الساحة الدولية مؤخرًا ما يشير إلى تجنب التدخل العسكري الأمريكي في إيران بعد جهود دبلوماسية مكثفة قادتها دول الخليج وتركيا. تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن عدم تنفيذ إعدامات جماعية للمتظاهرين وتوقف أعمال القتل تشير إلى أن إيران ستفلت مؤقتًا من سيناريوهات مشابهة لفنزويلا أو أسوأ.
ومع ذلك، الخبراء يشددون على أن هذا التأجيل لا يعني انسحابًا دائمًا، فحتى دون عمليات عسكرية مباشرة مثل الضربات الجوية أو الاغتيالات المستهدفة يجب أن يُنظر إلى أي تهديد محتمل باعتباره مؤجلاً وليس ملغى.
تراجع ترامب عن خيار الهجوم قد يكون نتيجة لمجموعة من العوامل الإقليمية والدولية، منها معارضة حلفاء واشنطن الإقليميين والدروس المستفادة من كارثة العراق وضعف الاستعدادات لعملية كبرى في إيران والتداعيات المحتملة على استقرار المنطقة خصوصًا لبنان والخطر من توسع المهمة وعدم وضوح النتائج المتوقعة داخل إيران وغياب شخصيات معارضة قوية.
في هذا السياق، يبدو أن ترامب لا يولي أي ثقة برضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران، الذي يدعي قيادة الاحتجاجات من الخارج وهو ما يحد من جدوى أي دعم خارجي مباشر للمعارضة.
على الصعيد المحلي، تشمل الأسباب المحتملة لعدم توجيه ضربات عسكرية مخاطر ارتفاع أسعار النفط والانقسامات داخل فريق ترامب والمعارضة الشعبية والسياسية واسعة النطاق داخل الكونجرس لأي تدخل عسكري في إيران.
ويشير مراقبون إلى أن ترامب يعتمد على ما يمكن تسميته استراتيجية “حل فنزويلا” تجاه إيران، أي إظهار القوة وتهديد النظام يتبعه تراجع سريع لتجنب صراع طويل ومعقد. هذه الاستراتيجية، التي ظهرت أيضًا في تعامله مع الأزمة الأوكرانية وجرينلاند، تقوم على فكرة السماح للنظام المعادي بالبقاء طالما لا يهدد مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل.
ترامب يرى أن التعامل مع نظام مستقر لكنه عدائي أفضل من خوض حرب غير محسوبة العواقب وهذه الرؤية تتقاطع مع مصالح دول الخليج التي تفضل وضعًا إقليميًا يضعف إيران دون السماح بظهور نموذج ديمقراطي قد يمثل تهديدًا لنظمها الحاكمة، بحسب تقرير نشره موقع “MEE” البريطاني.
رغم الخطاب العدائي بين إسرائيل وإيران، تظل الأولوية لإسرائيل القضاء على البرنامج النووي الإيراني وتدمير القدرات الصاروخية في حين لم تحسم الهجمات الأمريكية والإسرائيلية السابقة مدى نجاحها بشكل كامل.
وفي المقابل، يظهر محور المقاومة المدعوم من إيران ضعفًا واضحًا مع محدودية قدرته على العمل أو تحقيق أهدافه على المدى القصير وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهات لعمليات سرية تستهدف النخبة الحاكمة بدعم من الولايات المتحدة وإسرائيل باستخدام الضربات المستهدفة وإشعال توترات داخلية لتثبيت الهيمنة الإقليمية.
استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الصادرة في نوفمبر 2025 تؤكد على هيمنة واشنطن على المناطق التي تمثل مصالحها مع رفض السيطرة العالمية الكاملة وتركيز الجهود على القضايا الحيوية فقط وتشدد على تجنب الانخراط في صراعات ثانوية، مع اعتماد سياسة “عدم التدخل” نسبيا دون الانعزال عن الساحة الدولية.
ترامب يركز على تحقيق شرق أوسط مستقر يضمن مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية ويتيح الوصول إلى الموارد الطبيعية حتى في ظل غياب ولاء الدول للولايات المتحدة، فيما لا تحظى الديمقراطية وحقوق الإنسان بأولوية ولا تُعتبر سيادة الدول جزءًا من الاعتبارات، لتبقى جميع الأنظمة والشعوب تحت مظلة المصالح الأمريكية.
يمكن اختصار سياسة ترامب بالقاعدة: الطاعة أو المعاناة حيث تمثل فنزويلا وإيران أحدث الأمثلة على هذا النهج. السياسة الأمريكية تجاه إيران اليوم تجمع بين التهديد المؤقت والتراجع الاستراتيجي مع مراعاة حسابات دقيقة للمصالح على المستويات الدولية والإقليمية والمحلية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News




