
العقل النظري يعد من أبرز قدرات الإنسان التي تمكنه من استيعاب المعرفة وتكوين المفاهيم ومواجهة القضايا الفلسفية والميتافيزيقية. يظهر هذا العقل في عدة طرق أساسية (modes): التفكير والتأمل والتخمين والاستقبالية، حيث يختلف كل نوع في فعاليته واتجاهه نحو المعرفة.
التفكير (thinking) والتأمل (reflection) يمثلان جانبًا نشطًا وسلبيًا على التوالي ويظلان ملتزمين بالمنطق ضمن عملية تكوين المعرفة. أما التخمين والاستقبالية، فيمثلان حركية العقل تجاه ما يتجاوز المنطق حيث يكون التخمين فاعلًا والاستقبالية مفعول بها ويظهران اتجاه العقل نحو الميتافيزيقا وعلم الوجود.
في المنطق الرياضي، يظهر العقل النظري محدودًا بالتفكير والتأمل إذ لا تجد متطلباته الفطرية مجالًا للتجلي ضمن هذا الإطار. بينما في المنطق اللغوي، يمكن لمتطلبات العقل الفطرية (innate needs) أن تظهر وتفرض تأثيرها الجبري ويكون إدراك العقل لهذه المتطلبات كاملاً وجبريًا. هذا الجبر الداخلي يكشف عن محدودية المنطق والاستدلال حيث لا يمكنهما تلبية كل الاحتياجات الفطرية للعقل مما يدفع العقل إلى كسر أنظمته الاستدلالية والتوجه نحو ما وراء المنطق بشكل وجودي خالص لا يرتبط بالزمان أو المكان.
وتظهر حركية العقل في مواجهة هذا الجبر الداخلي بطريقتين: التخمين والاستقبالية. في التخمين (speculation)، يتجه العقل نحو الحقيقة المطلقة المفترضة باتجاه خارجي للخبرة ليؤسس للميتافيزيقا. أما في الاستقبالية (receptivity)، فيتجه العقل داخليًا نحو الحقيقة المفترضة ليؤسس علم الوجود حيث تمثل الاستقبالية مراقبة العقل للوجود أمامه.
من منظور خارجي، كل الميتافيزيقا والوجوديات التي يصنعها العقل النظري تمثل نوعًا من الشرك إذ إنها نتاج العقل نفسه وليست انعكاسًا للواقع المطلق. وفي زمن فقد فيه الناس التوحيد الحقيقي وأسلموا العقل للحداثة، أصبح التوحيد غائبًا وأصبح العقل مفصولًا عن الغاية الحقيقية للتوحيد.
أخيرًا، يشترك العقل النظري والإرادة البشرية في صفة التجاوز (excess). تجاوز العقل النظري يقوده نحو الميتافيزيقا والوجوديات وهو نوع من الشرك والظلم الكبير. أما تجاوز الإرادة الفردية والسياسية فيقود إلى العصيان والجبر والاستغلال وهو ظلم واضح ومباشر. لذلك، يحتاج العقل إلى تقييد ضمن أطر التشبيه والتنزيه بينما يجب ضبط الإرادة الفردية والسياسية وفق المعايير الشرعية لضمان تحقيق العدالة والاستقرار.
هذه التحليلات توضح أن فهم العقل النظري وحركيته وحدوده، هو حجر الأساس لفهم المعرفة البشرية ولتحديد دور الإنسان بين الالتزام بالمنطق والمواجهة مع متطلبات فطرية تتجاوز حدود العقل نفسه.
المقال باللغة الأردية كتبه المفكر الباكستاني محمد دين جوهر وتم نقله إلى اللغة العربية بواسطة ثاقب أحمد والآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News.




