آراء و مقالات

لماذا فشلت حسابات أمريكا وإسرائيل في كسر الإرادة الإيرانية؟

alhurra

فريق UrKish News

تشهد المواجهة الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى تطورًا غير مسبوق في طبيعتها ونتائجها الأولية. فخلافًا للحروب الأمريكية التقليدية التي اتسمت بعدم التكافؤ، تكشف هذه الحرب عن نمط مختلف من الصراع تُسجَّل فيه للمرة الأولى ضربات مباشرة على قواعد أمريكية وسقوط طائرات حربية واتساع رقعة الاستهداف لتشمل معظم الوجود العسكري الأمريكي في الإقليم.

لقد بُنيت الحسابات الأمريكية والإسرائيلية على فرضية أن استهداف القيادة العليا في إيران سيؤدي إلى تفكك منظومة المقاومة وانهيار القرار المركزي. غير أن الوقائع الميدانية تشير إلى نتيجة معاكسة حيث استمرت الضربات الإيرانية بعد مقتل المرشد الأعلى بل اتسمت بدرجة أعلى من التنظيم والجرأة.
هذا التطور يعكس بنية مختلفة للصراع، لا تقوم فقط على مركزية الدولة بل على شبكة عقائدية وتنظيمية قادرة على العمل حتى في ظل اختلال منظومة القيادة التقليدية.

تستند العقيدة السياسية الإيرانية إلى مرجعية رمزية واضحة تتمثل في كربلاء وفكرة الشهادة. ومن هذا المنطلق، فإن تحويل المواجهة إلى معركة وجودية يعزز التماسك الداخلي بدل أن يؤدي إلى التفكك. تاريخيًا، تُظهر التجارب أن الهجوم الخارجي غالبًا ما يعيد إنتاج النزعة القومية داخل المجتمعات المستهدفة وهو ما بدا واضحًا في ارتفاع مستوى التلاحم داخل إيران عقب الضربات الأخيرة.

في الحروب بين الدول القومية، يؤدي سقوط القيادة العليا عادة إلى انهيار القدرة القتالية كما حدث في العراق عام 2003. غير أن الحالة الإيرانية تبدو مختلفة إذ تشير تصريحات رسمية إلى أن وحدات عسكرية تعمل وفق تعليمات سابقة وبمبادرات ذاتية في ظل تعطل جزئي للاتصال المركزي. هذا النمط يقرّب إيران من نموذج الفاعل الأيديولوجي القادر على الاستمرار في القتال حتى مع تراجع قدرة الدولة التقليدية.

رفعت إيران كلفة الحرب على خصومها وحلفائهم الإقليميين. فقد تعرضت الإمارات لسلسلة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، ورغم نجاح أنظمة الدفاع في اعتراض معظمها فإن نسبة الضربات التي وصلت إلى أهدافها أحدثت آثارًا اقتصادية وأمنية ملموسة.
وتشير تقديرات بحثية إلى أن تكلفة اعتراض الصاروخ أو المسيّرة قد تصل إلى عشرات أضعاف كلفة إطلاقها ما يجعل ميزان الاستنزاف يميل تدريجيًا لمصلحة المهاجم. كما أفادت تقارير إعلامية بأن منظومات الدفاع الإسرائيلية نفسها بدأت تعتمد سياسة انتقائية في الاعتراض حفاظًا على مخزونها الاستراتيجي وهو ما يعكس ضغطًا متزايدًا على البنية الدفاعية ويطرح تساؤلات حول قدرة الاقتصاد الإسرائيلي والخليجي على تحمّل حرب طويلة الأمد.

يتزايد التساؤل حول موقف الصين وروسيا. فالصين تستورد نحو تسعين في المئة من النفط الإيراني ما يجعل استقرار إيران مسألة حيوية لها. وفي حال استطاعت طهران إطالة أمد الصراع، قد تتوافر بيئة تسمح بتقديم دعم غير معلن من بكين وموسكو عبر قنوات اقتصادية أو عسكرية غير مباشرة. مثل هذا السيناريو قد يحوّل المواجهة إلى استنزاف طويل للولايات المتحدة.

تكشف التصريحات المتناقضة داخل المؤسسات الأمريكية عن ارتباك في تحديد الهدف النهائي. فالكونجرس يربط الضربات بمنع إيران من امتلاك السلاح النووي بينما تشير تقارير استخبارية إلى عدم وجود تهديد وشيك في هذا المجال، في حين يصر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أن الهدف هو تغيير النظام. هذا التباين يعكس غياب استراتيجية موحدة ويعزز فرضية سوء التقدير في توقيت الضربة وحدّتها.

يُجمع معظم المحللين على أن تغيير النظام في إيران عبر الضربات الجوية وحدها احتمال ضعيف لا يتجاوز عشرة إلى خمسة عشر في المئة. فذلك يتطلب تدخلًا بريًا واسعًا أو انتفاضة داخلية منظمة ذات قيادة موحدة أو تفككًا عميقًا داخل النخبة الحاكمة. وحتى الآن، لا تتوافر هذه الشروط بصورة واضحة بل إن الضغوط الخارجية عززت من تماسك المؤسسات العسكرية والأمنية الإيرانية.

في حال تعذر تغيير النظام، تبرز عدة مسارات محتملة أمام واشنطن، منها: إضعاف إيران عسكريًا ومنعها من استكمال برنامجها النووي أو تصعيد محسوب عبر ضربات نوعية وهجمات سيبرانية أو مواصلة الحرب الاقتصادية بالعقوبات والضغط على صادرات النفط أو محاولة زعزعة الداخل الإيراني عبر أدوات إعلامية وسياسية. غير أن هذه المسارات بطيئة النتائج ولا تضمن حسم الصراع لصالح الولايات المتحدة في المدى المنظور.
تداعيات الحرب لا تقتصر على أطرافها المباشرين. فارتفاع أسعار النفط سيزيد العبء على دول مستوردة للطاقة ما ينعكس تضخمًا وضغطًا على الموازنة العامة.

في المحصلة، لا تبدو هذه الحرب مواجهة عسكرية تقليدية بقدر ما هي محاولة لإعادة ترتيب ميزان القوى في الشرق الأوسط. شعار تغيير النظام يُطرح في الواجهة لكن الهدف الأعمق يتمثل في تقليص نفوذ القوى المناهضة للهيمنة الأمريكية وتكريس التفوق الإسرائيلي.
ويبقى السؤال المركزي مطروحًا حول ما إذا كان إضعاف إيران سيقود إلى استقرار إقليمي أم إلى فراغ استراتيجي يولّد موجات جديدة من العنف وعدم اليقين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى