آراء و مقالاتثقافة و فن

الرقابة الرقمية: هل نعيش نهاية عصر التواصل الاجتماعي الحر؟

UrKish via cair

ثاقب أحمد

شهد العقد الأخير تحولًا جذريًا في دور وسائل التواصل الاجتماعي على الصعيد العالمي، ليس فقط كأداة للتواصل ونشر المعلومات بل كسلاح مؤثر في السياسة الداخلية والخارجية للدول الكبرى. كشفت وثائقيات أمريكية موثوقة أن أكبر المستفيدين من هذه المنصات هم وكالات استخباراتية مثل CIA وMI6 التي وظفتها لتحقيق أهداف استراتيجية خصوصًا في تغيير الأنظمة السياسية في دول مختلفة.

أبرز الأمثلة على ذلك جاءت خلال الربيع العربي وثورات جورجيا حيث بدت الحركات الاحتجاجية شعبيّة لكنها في الواقع كانت جزءًا من خطط أوسع للنفوذ الأمريكي. وفي مصر، أثار ظهور الإخوان المسلمين عبر وسائل التواصل الاجتماعي دهشة المجتمع الدولي إذ لم يكونوا مقبولين لا من الدول العربية ولا من الولايات المتحدة ما دفع الوكالات إلى محاولات السيطرة عليهم لكن الخطر كان قد بدأ بالفعل.

منذ عام 2017، بدأ مسار آخر في الشرق الأوسط مرتبطًا بالاتفاق الغربي مع إيران الذي نص على التنازل عن برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية ما كان سيمنحها نفوذًا إقليميًا كبيرًا. غير أن فوز دونالد ترامب قلب المعادلة وألغى الاتفاق وأعاد توحيد الدول العربية مع واشنطن مستفيدًا من قوة وسائل التواصل الاجتماعي داخل الولايات المتحدة ما هدد هيمنة الدولة العميقة على السياسة الداخلية.

مع الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر 2020 وفوز جو بايدن، بدأت إجراءات السيطرة على المعلومات قبل توليه الرئاسة وتم تعطيل ملايين الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي. وفي الأسابيع التالية، تم حظر حساب ترامب على تويتر نظرًا لأنه تمكن من استخدام المنصات لتحقيق نفوذ واسع يهدد الدولة العميقة، بحسب ما أشار إليه المحلل العسكري الباكستاني رعايت الله فاروقي في مقال نشره موقع “We News“.

امتدت الرقابة لتشمل الإعلام التقليدي حيث أُقصي صحفيون بارزون كانوا داعمين لترامب لكنهم واصلوا نشاطهم على يوتيوب محققين أرقام مشاهدة تجاوزت الإعلام التقليدي، مثل توكر كارلسن، الذي وصلت مشاهداته إلى ملايين بينما لم يتجاوز برنامج CNN في الوقت ذاته 300 ألف مشاهد.

الأحداث العالمية مثل الحرب في أوكرانيا أظهرت محدودية سيطرة الإعلام الغربي خاصة بعد حظر الإعلام الروسي في حين بث كارلسن مقابلة مطولة مع بوتين محققًا أرقامًا قياسية مما جعل الدولة العميقة في موقف دفاعي وأعاد رفع معنويات أنصار ترامب.

في الأزمة الفلسطينية الأخيرة وغزة، تجاوزت تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي الحدود التقليدية حيث انضم أنصار ترامب إلى موقف مناهض لإسرائيل متحدين مع ناشطي الحزب الديمقراطي الذين كانوا في السابق موالين للسياسات الرسمية. هذا التحول أظهر قدرة وسائل التواصل على كسر الخطوط الحزبية التقليدية وإعادة تشكيل مواقف الجماهير بشكل مفاجئ.

في سياق السيطرة على المنصات، أعلنت إدارة TikTok بقيادة آدم بريسر تغييرات على الخوارزمية حيث أصبح النقد الموجه للصهيونية يُصنَّف كخطاب كراهية بينما يُسمح بذكرها إيجابيًا فقط. وهو ما يوسع تعريف خطاب الكراهية ليشمل السياسة الصرفة وليس الدين فقط. فيسبوك فرض قيودًا غير معلنة على عدد المشاهدات فيما ألغى تويتر خدمات الترجمة للغة العبرية مؤكدًا أن حرية التعبير الفعلية محدودة لمن يشتري “الشارة الزرقاء” فقط.

تظل الولايات المتحدة محور هذه التحولات نظرًا لسيطرة أغلب منصات التواصل الاجتماعي عليها. أما الوضع في أوروبا، فأسوأ حيث اعتُقل أكثر من 12 ألف شخص في بريطانيا خلال عام واحد بسبب التعبير الحر ما خلق حالة من الخوف والرقابة الفكرية داخل المجتمع.

يبقى السؤال الكبير: هل نشهد نهاية عصر وسائل التواصل الاجتماعي كمنصة حرية وتعليم جماهيري أم أننا نشهد مراحلها الأخيرة في إعادة تعريف النفوذ السياسي عبر المعلومات؟ المؤشرات الحالية توحي بأن المنصات أصبحت أدوات تحكم واستقطاب أكثر من كونها منصات للتواصل الحر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى