آراء و مقالاتثقافة و فن

كيف يواجه الفكر الإسلامي الدولة الحديثة؟

تعبيرية (UrKish)

أمينة أحمد

يشهد الفكر السياسي الإسلامي المعاصر جدلية حادة حول كيفية التعامل مع الدولة الحديثة والحداثة الغربية. ثلاثة مفكرين بارزون يقدمون تحليلات مختلفة تعكس أبعاد هذه الأزمة، وهم: أحمد داود أوغلو ووائل حلاق ومالك مفتي. كل منهم يسلط الضوء على جانب مختلف من التحديات مع إبراز مكاسب تحليلية وحدود واضحة لكل منهج، بحسب تقرير نشره موقع “Bheria“.

يعد أحمد داود أوغلو، رئيس وزراء تركيا السابق، أحد الأصوات النادرة في الفكر السياسي الإسلامي الذي يركز على الأزمة على مستوى المعرفة وليس فشل السياسات. في كتابه “النماذج البديلة“، يعرض الحداثة الغربية كنظام حضاري شامل يحدد مفاهيم السيادة والمعرفة والذات البشرية وليس مجرد أدوات سياسية محايدة.
يرى داود أوغلو أن الفكر السياسي الإسلامي لا يمكن اختزاله في مفاهيم غربية دون فقدان جوهره. كما يميز بين الإصلاح المؤسسي والاستقلال الحضاري ويؤكد أن العقل السياسي الإسلامي يمثل تكوينًا أخلاقيًا وفكريًا مستقلاً لكن التحليل الحضاري لا يصل إلى مواجهة كاملة للدولة الحديثة.
ففي التجربة السياسية الفعلية لداود أوغلو داخل حزب العدالة والتنمية، اتخذ الخطاب الحضاري الإسلامي طابعًا تكميليًا يعزز الدولة القائمة بدلا من تحديها ما يبين حدود تحويل التشخيص الفكري إلى ممارسة سياسية.

يأخذ وائل حلاق، أحد أبرز العلماء في القانون والتاريخ القانوني الإسلامي، مسارًا مختلفًا في كتابه “الدولة المستحيلة“. يقدم حلاق نقدًا صارمًا للدولة الحديثة من منظور داخلي للشريعة الإسلامية موضحًا أن بنيتها القانونية والبيروقراطية واحتكارها للعنف تتعارض مع النظام الأخلاقي والقانوني الإسلامي. أي محاولة لإصلاح الدولة أو “أسلمتها” عبر الانتخابات أو الدساتير، بحسب حلاق، غير متماسكة من الناحية المفهومية.
ومع ذلك، يترك تركيزه على الجانب القانوني والأخلاقي دون تطوير نظرية للسلطة وحركة القوة ما يشكل قيودًا على تطبيق تحليله في الواقع السياسي المعقد.

يقدم مالك مفتي، المتخصص في السياسة المقارنة ودراسات الأمن، بعدًا ثالثًا في كتابه “فن الجهاد“. يعالج الجهاد كظاهرة عملية تخضع للقيود التنظيمية والحسابات الاستراتيجية بعيدًا عن التجريد الديني أو الأخلاقي. يركز مفتي على القوة والانضباط والقدرة المادية في نجاح الحركات ويحلل العنف كعامل ناشئ عن الهيمنة والاستبعاد والتهديد الوجودي.
هذا المنهج يعيد البعد الواقعي للقوة والصراع في الفكر الإسلامي المعاصر لكنه يترك العلاقة بين الجهاد والأخلاق الإسلامية ناقصة ويعالج العنف من منظور استراتيجي أكثر منه أخلاقي.

معًا، تكشف أعمال هؤلاء المفكرين عن ثلاث أبعاد أساسية للأزمة:
تحديد الأزمة الحضارية دون مواجهة كاملة للدولة الحديثة
تفكيك شرعية الدولة الحديثة دون تطوير نظرية للسلطة والتعامل مع القوة
إدخال بُعد القوة والصراع الاستراتيجي دون تأصيل أخلاقي كامل.

الفكر السياسي الإسلامي المعاصر يحتاج، بحسب هذه القراءة، إلى مواجهة مستمرة للحداثة كنظام يحكم القوة والقانون والعنف بطرق تتعارض جذريًا مع القيم الإسلامية بعيدًا عن التوليف السريع أو الرومانسية تجاه العنف أو اعتباره استراتيجية بديلة للشرعية الأخلاقية.
يكمن التحدي في الدمج بين الفهم الحضاري والاعتبارات الأخلاقية والواقعية السياسية لبناء نموذج فكري متماسك قادر على تقديم إجابات عملية للفكر الإسلامي في عصر الدولة الحديثة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى