
ثاقب أحمد
يقوم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بزيارة رسمية إلى إسرائيل تستمر يومين في توقيت بالغ الحساسية سياسيًا وإقليميًا. فالزيارة لا تأتي في سياق دبلوماسي اعتيادي بل تتزامن مع استمرار الحرب على غزة وتصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران واتساع نطاق الانتقادات الدولية الموجهة إلى حكومة تل أبيب بسبب اتهامات بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي.
ومن المقرر أن يلتقي مودي برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأن يلقي خطابًا أمام الكنيست، إضافة إلى عقد اجتماعات موسعة مع الوفود الرسمية وتوقيع اتفاقات جديدة في مجالات الدفاع والاقتصاد والتكنولوجيا. كما تشمل الزيارة لقاء الرئيس الإسرائيلي وزيارة متحف ياد فاشيم التذكاري.
تؤكد التصريحات الرسمية من الجانبين أن التعاون الدفاعي سيكون في صدارة المباحثات. وخلال العقد الأخير، تحولت إسرائيل إلى أحد أبرز موردي السلاح للهند في وقت تسعى فيه نيودلهي إلى تطوير صناعتها العسكرية وتعزيز قدراتها التقنية.
ويُتوقع أن تركز الاتفاقات الجديدة على مجالات التكنولوجيا الدفاعية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى إدارة المياه والزراعة بما يعكس توجها لتوسيع الشراكة من البعد العسكري إلى بعد اقتصادي وتقني أشمل.
كما تسعى إسرائيل إلى استقطاب استثمارات هندية في مشاريع البنية التحتية والطاقة والتقنيات الحديثة بينما ترى الهند في إسرائيل شريكًا متقدمًا في الابتكار يمكن أن يدعم طموحاتها الصناعية والعلمية.
تأتي الزيارة بينما تواصل إسرائيل عمليتها العسكرية في قطاع غزة منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023. وقد خلفت الحرب عشرات آلاف القتلى ودمارًا واسعًا في البنية التحتية مع تحذيرات أممية متكررة من تدهور الأوضاع الإنسانية وانتشار المجاعة والنزوح الجماعي.
وفي هذا السياق، رفعت جنوب أفريقيا دعوى أمام محكمة العدل الدولية تتهم فيها إسرائيل بارتكاب أفعال ترقى إلى الإبادة الجماعية. كما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين آخرين بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ورغم رفض إسرائيل لهذه الاتهامات وتشكيكها في اختصاص المحكمة، فإن هذه الإجراءات القضائية أسهمت في زيادة العزلة السياسية التي تواجهها حكومة نتنياهو.
تاريخيًا، عُرفت الهند بموقفها المؤيد للقضية الفلسطينية ومعارضتها لقيام إسرائيل عام 1948 قبل أن تقيم علاقات دبلوماسية كاملة معها عام 1992. غير أن وصول مودي إلى السلطة عام 2014 شكّل نقطة تحول بارزة، إذ شهدت العلاقات الهندية الإسرائيلية تقاربًا سريعًا على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية.
ورغم هذا التقارب، تحاول الهند الحفاظ على سياسة توازن في الشرق الأوسط، تقوم على تعزيز شراكتها مع إسرائيل دون القطيعة مع الدول العربية أو إيران. فهي تعتمد على نفط المنطقة لتأمين جزء كبير من احتياجاتها الطاقوية كما تضم المنطقة ملايين العمال الهنود الذين يشكلون مصدرًا مهمًا للتحويلات المالية.
تتزامن زيارة مودي مع تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران على خلفية البرنامج النووي الإيراني والدعم الذي تقدمه طهران لفصائل مسلحة في المنطقة. كما تكثف الولايات المتحدة وجودها العسكري قرب السواحل الإيرانية مع تلويحها بخيارات عسكرية في حال فشل المسار الدبلوماسي.
وتُعد إيران شريكًا مهمًا للهند، خاصة في مشروع ميناء تشابهار الاستراتيجي، الذي يتيح لنيودلهي الوصول إلى آسيا الوسطى دون المرور بباكستان. غير أن العقوبات الأمريكية دفعت الهند إلى تقليص تعاونها الاقتصادي مع طهران ما يضعف هامش مناورتها الدبلوماسية في الإقليم.
يذهب محللون إلى أن خطاب مودي أمام الكنيست يحمل رمزية خاصة، إذ يُظهر مستوى غير مسبوق من التقارب السياسي بين البلدين كما يمنح نتنياهو فرصة لإظهار أنه ما زال يحتفظ بدعم دول كبرى خارج المعسكر الغربي، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الأوروبية والأمريكية لسياسته في غزة والضفة الغربية.
ويرى منتقدو الزيارة أنها قد تضعف صورة الهند كدولة تسعى إلى تمثيل الجنوب العالمي والدفاع عن نظام دولي قائم على القواعد. فظهور مودي إلى جانب نتنياهو في ظل الاتهامات الموجهة إلى حكومته قد يُفهم على أنه تجاهل للبعد الإنساني والقانوني للصراع ويقوض الخطاب الهندي الداعي إلى احترام القانون الدولي وحل الدولتين.
تحاول الهند من خلال هذه الزيارة إرسال رسالة مزدوجة. فمن جهة، تؤكد تمسكها بعلاقتها الاستراتيجية مع إسرائيل باعتبارها شريكًا أمنيًا وتقنيًا مهمًا ومن جهة أخرى، تحرص في خطابها الرسمي على الإشارة إلى دعمها لحل الدولتين ورفضها استهداف المدنيين.
غير أن الجمع بين هذين المسارين يبدو أكثر صعوبة في ظل الحرب المستمرة على غزة وما تثيره من مشاعر غضب واسعة في العالم العربي والإسلامي وحتى في أوساط الرأي العام العالمي.
تكشف زيارة ناريندرا مودي إلى إسرائيل عن مفارقة مركزية في السياسة الخارجية الهندية. فهي تعكس من جهة ثبات خيار الشراكة الاستراتيجية مع تل أبيب ومن جهة أخرى تبرز حجم المخاطر السياسية والأخلاقية التي قد تترتب على هذا الخيار في ظرف دولي شديد التعقيد. فالزيارة ليست مجرد محطة دبلوماسية عادية بل حدث يحمل أبعادًا تتعلق بصورة الهند الدولية وعلاقتها بالعالم العربي وموقعها في نظام دولي يشهد تصدعًا في قواعده القانونية والأخلاقية.
وبين حسابات المصالح واعتبارات المبادئ، تجد نيودلهي نفسها أمام اختبار صعب لسياسة التوازن التي لطالما حاولت الحفاظ عليها في الشرق الأوسط.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News.




