كيف تواجه الصين الحرب الإيرانية دون الإضرار باقتصادها؟

تعبيرية (thecradle)

ثاقب أحمد

منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 2025، شهدت السياسة الأمريكية تراجعا في الثقة بدورها العالمي والتزامها بالنظام الدولي القائم على القواعد وزيادة الاعتماد على القوة في مواقف تصدم الأسواق والمؤسسات والحلفاء. هذا التراجع في المصداقية يمثل لبكين فرصة تاريخية لكنه يطرح تحديات استراتيجية جسيمة.

بالنسبة للصين، ضعف الولايات المتحدة يمثل فرصة جزئية. القيادة الصينية لطالما رأت أن وجود واشنطن قوية بما يكفي لضمان استقرار الاقتصاد العالمي ومنع الانهيار النظامي لكنه غير قادر على كبح صعود الصين هو السيناريو المثالي. اليوم، شي جين بينغ يقترب من تحقيق هذا الهدف بعد أكثر من قرنين من الزعامة الصينية.

لكن هذا الانتصار الجزئي مصحوب بمخاطر. القيادة الصينية لا تريد مجرد الولايات المتحدة الضعيفة بل تريدها عاملة ضمن إطار يضمن الاستقرار العالمي. أي فوضى أمريكية قد تهدد التجارة والطاقة والأمن المالي العالمي ما يجعل الولايات المتحدة المتقلبة أكثر خطورة من الولايات المتحدة القوية.

الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران تمثل اختبارا حقيقيا للقيادة الصينية. على عكس الحرب الروسية في أوكرانيا، فإن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط تؤثر مباشرة على المصالح الصينية الأساسية، ليس بسبب الاعتماد على النفط بل بسبب الفوضى التي قد تنتجها واشنطن المتقلبة على النظام الدولي.
الصين ترى أن الولايات المتحدة القوية لكنها غير مستقرة، قد تهدد بيئة الأعمال والعلاقات الدولية ما يفرض عليها التحرك بحذر وحماية مصالحها وتجنب الانخراط العسكري المباشر.

استراتيجية الصين في مواجهة الحرب الإيرانية تتجلى في الدبلوماسية النشطة والدعوات لوقف النار وتجنب الانخراط العسكري. الهدف هو إدارة المخاطر وضمان استمرار التدفقات التجارية ورأس المال وحماية أسس الصعود الصيني على المدى الطويل. الصين لا تسعى إلى الاستفادة من الاضطراب بل إلى الحد من تداعياته.

منذ انفتاح الصين على العالم في 1979، تراكمت ثروتها وقوتها ضمن نظام دولي أسسته الولايات المتحدة. استغلت بكين النظام وبنت بدائل موازية لكنها بقيت تعتمد على شروطه: حرية الملاحة وتوسع الأسواق والقدرة على الاقتراض بالدولار ومؤسسات متعددة الأطراف لامتصاص الصدمات.

مع تعزيز الاعتماد على الذات، واجهت الصناعات الصينية تراجع الأرباح وفائض الإنتاج. لذلك طورت بكين أدوات اقتصادية متقدمة تشمل السيطرة على السوق المحلي والهيمنة على سلاسل التوريد للمعادن النادرة والقروض والاستثمارات وأدوات الضغط الاقتصادي مثل العقوبات والقيود التصديرية. لكن كل هذه الأدوات تفترض نظاما دوليا مستقرا وهو ما بات مهددا مع تصرفات واشنطن في فنزويلا وإيران والتي تعكس التحول نحو استخدام القوة العسكرية كأداة أساسية.

الصين ترى الولايات المتحدة قوة في تراجع لكنها أصبحت أكثر خطورة. أي انحدار أمريكي غير متوقع قد يجعل المواجهة أكثر تعقيدا خاصة إذا استمر الاعتماد على القوة العسكرية لتحقيق أهداف استراتيجية بدل الإدارة القائمة على القواعد والتوازن.

في واشنطن، قد يُنظر للصراع الإيراني على أنه فرصة لتخفيف الضغط الأمريكي في آسيا لكن القيادة الصينية لا ترى الأمر كمعادلة صفرية. الفوضى في الشرق الأوسط لا تعني مكسبا مباشرا للصين خصوصا أن إغلاق مضيق هرمز قد يعيق واردات الطاقة ويزيد تكاليف الإنتاج والتجارة.
الصين تعتمد على مزيج من الموارد المحلية والاستيراد من مصادر متعددة، بما فيها روسيا، وتملك احتياطيات نفطية كبرى تكفي عدة أشهر.

الاعتماد على النفط يمثل حوالي 20% من إجمالي الطاقة المستهلكة في الصين مع إنتاج محلي يغطي نحو 30% من احتياجات البلاد. بقية الطاقة تأتي من الفحم والطاقة المتجددة ما يخفف المخاطر المرتبطة بالاضطرابات في الشرق الأوسط.

الصين استثمرت بشكل استراتيجي في الطاقة المتجددة، بما في ذلك الشمسية والرياح والنووية والهيدرو. هذه الاستثمارات جعلت الطلب على النفط أقل تأثيرا على الاقتصاد وساعدت على توفير الطاقة اللازمة للقطاعات عالية التقنية بما في ذلك الذكاء الاصطناعي.

كما عززت البنية التحتية للطاقة الذكية ربط الكهرباء بالحوسبة ما يقلل تكاليف التشغيل ويزيد كفاءة استهلاك الطاقة. هذا التحول يدعم النمو المستدام ويقلل المخاطر الناتجة عن الاضطرابات الجيوسياسية ويؤكد أن الصين لا تسعى فقط لتقليل الاعتماد على النفط بل لتعزيز تنافسيتها الاقتصادية في المستقبل.

الصين تسعى لتعديل التوازن الإقليمي وإضعاف التحالفات الأمريكية وامتصاص تايوان لكنها تستخدم أساليب تدريجية: السياسات الصناعية والنفوذ الاقتصادي والعمليات السياسية والتكتيكات الرمادية وبناء أنظمة مالية موازية. الهدف تراكم الميزة دون تفجير النظام.

علاقة مستقرة مع واشنطن على أساس التجارة القابلة للتنبؤ والمربحة تمثل أولوية لبكين، فأي تقلب أمريكي بين الحمائية الاقتصادية والمغامرات العسكرية يزيد من المخاطر على الصين.

المفارقة الكبرى أن شي حصل على ما أراده (أمريكا أقل قدرة وثقة) وما يخشاه (نظام عالمي أكثر تقلبا). الولايات المتحدة المتقلبة قد تكون أخطر من الولايات المتحدة القوية لأن كل ضعف أمريكي لا يعني بالضرورة مكسبا صينيا بل يهدد النظام الذي تعتمد عليه بكين في تجارتها وصعودها الاستراتيجي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top