
فريق UrKish News
شهد العالم الحديث تغييرات جوهرية في مركز المعرفة والسلطة سواء بفعل الاستعمار أو التقدم التكنولوجي. أدى الاستعمار إلى ظهور ثلاثة مهن أساسية مرتبطة بالحداثة: المحامي والمعلم (بمعنى “Teacher“) والصحفي، وهي مهن ظهرت استجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وارتبطت مباشرة بالقوة السياسية ورأس المال.
المعلم قبل الحداثة كان ممثلا للعلم والثقافة والتربية وغالبا في إطار ديني ولم يكن هناك تمييز واضح بين المعلم والأستاذ والعالم. مع الحداثة الاستعمارية، تحول المعلم إلى موظف تنفيذي ينفذ المعرفة التي تحددها الدولة الحديثة وجعل التعليم أداة لتعزيز أولويات السلطة ورأس المال بعيدا عن القيم الدينية أو الثقافية. أصبح المعلم أداة لنشر المعرفة المادية المرتبطة بالسياسة والاقتصاد وليس حارسا للقيم الأخلاقية أو التاريخية.
الصحافة في هذا السياق تلعب دورا محوريا في نشر السلطة وإدارة المعرفة. الصحفي لا يدير المعرفة نفسها بل المعلومات الناتجة عن الديناميات السياسية والاقتصادية ويصبح وسيطا أساسيا بين القوة والجمهور.
الإعلام هو أداة نشر القوة؛ والقدرة على الوصول إلى المعلومات الدقيقة وتحليلها يجعل الصحفي عنصرا لا غنى عنه للنظام السياسي والاقتصادي.
التقارير الأكاديمية، مثل تقرير جامعة ستانفورد 2023، تشير إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي باتت تلعب دورا في اتخاذ القرارات المؤثرة على المجتمع بما في ذلك التوظيف والائتمان والأمن مع محدودية الشفافية والمساءلة وهو ما يزيد من أهمية الصحفي في تفسير وتحليل هذه المعلومات للجمهور.
المثقف يعمل على إدارة المعرفة نفسها ويملك قدرة الوصول إلى المعلومات التي يعتمد عليها النظام في تبرير سلطته. الصحفي يدير المعلومات والمثقف يدير المعرفة.
النظام السياسي يحتكر العنف كأساس للسيطرة لكنه وسع هذا المفهوم ليشمل العنف الاقتصادي والمعرفي والثقافي وهو ما أطلقت عليه الدراسات الحديثة “العنف الإبستمولوجي” (Epistemic Violence).
هذا النوع من العنف أصبح أداة رئيسية في الدولة الحديثة وينفذ عبر السياسات والتقارير والبناء الخطابي ويحتاج إلى خبرة الصحفيين والمثقفين لتنفيذه.
الذكاء الاصطناعي يمثل نسخة متقدمة من الفاعل المعرفي المستقل عن الإنسان حيث تنتقل المعرفة من العقل البشري إلى أنظمة رقمية مستقلة قادرة على تحليل البيانات واتخاذ القرارات دون الحاجة إلى القيم أو الخبرة الإنسانية، بحسب ما كتبه المفكر الباكستاني “محمد دين جوهر“.
هذا يجعل الصحفي أكثر أهمية لأنه يعمل كحلقة وصل بين السلطة والجمهور ويتيح إدارة المعلومات وتحليلها بشكل يمكن من خلاله توجيه الرأي العام والحفاظ على شرعية النظام.
العالم، في المقابل، مرتبط بالعلم وقيم الحق ويجب أن يبقى بعيدا عن الانخراط في السياسة أو الاقتصاد لضمان استقلالية المعرفة. الحرية بالنسبة للعالم هي وجودية بينما الصحفي والمثقف يتعاملون مع الحرية بمعناها السياسي والاجتماعي.
على العالم الحفاظ على “التواضع الاجتماعي” والعمل لمصلحة المجتمع وليس السلطة ليظل قادرًا على توجيه الناس نحو المعرفة والتربية الأخلاقية.
هذا المسار يعكس كيف أن المعرفة لم تعد مجرد فهم للعالم بل أداة قوة، حيث ترتبط مباشرة بالسلطة والاقتصاد والتكنولوجيا ويعتمد نجاح النظام على إدارة المعلومات والتحكم في سلوك المجتمع.
الحرية والمعرفة والقيم الأخلاقية تبقى مسؤولية العالم الذي يجب أن يحافظ على استقلاليته حتى يستطيع تقديم الإرشاد الصحيح للمجتمع بعيدا عن الانخراط في صراعات السلطة والسياسة والاقتصاد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News




