آراء و مقالاتحوار

حرية الإنسان والأمر الشرعي في مواجهة القوة التكنولوجية

تعبيرية (insightssuccess)

في فصل النهي لكتاب أصول الشاشي، يظهر أن النهي ينقسم إلى نوعين رئيسيين: نهي يتعلق بالأفعال الحسية ونهي يتعلق بالتصرفات الشرعية. هذه الثنائية ليست مجرد تصنيف لفظي بل تكشف عن منهجية دقيقة في فهم الفعل الإنساني قبل ربطه بالأمر الشرعي، إذ يعتمد هذا التقسيم على الملاحظة والفراسة ويهدف إلى إزالة الغموض في علاقة الأمر بالفعل.
ويُلاحظ أن هذا التصنيف عملي وليس نظريا، فلا يتطلب تعريفات مجردة للفعل الإنساني إلا عند التعامل مع التجريدات التي يمكن أن تولد الإبهام. ما دام الفعل حسيا وطبيعيا، فإن التعريف النظري والاستدلال العقلي غير ضروريين بينما تظهر الحاجة إليهما عند الانتقال إلى القوى الكامنة في الطبيعة والعناصر غير المشاهدة.

الأفعال الحسية هي أفعال الإنسان الطبيعية التي لا تقوم على الشريعة وإنما تنشأ عن بنية الحياة الإنسانية الاقتصادية والاجتماعية وضروراتها. تشمل هذه الأفعال الزراعة، العمل الوظيفي، التجارة، النجارة، التعليم، السياسة، الحرب والكذب والزنا وشرب الخمر والاعتداء. هذه الأفعال تقع في كل المجتمعات بشكل طبيعي وكوني.
في الوعي يظهر الفعل بوصفه معرفة وفي الواقع يظهر بوصفه حدثا. الشريعة تتدخل في بعضها بالنهي لكن باقي الأفعال يظل محل تنظيم طبيعي للفعل الإنساني.

النوع الثاني من النهي يختص بالتصرفات الشرعية وهي أفعال تنشأ عن امتثال الإرادة الإنسانية للأمر الإلهي. هذه الأفعال لا وجود لها طبيعيا وإنما تقوم بالأمر الشرعي وحده. تتميز هذه الأفعال بأنها توقيفية أي أن هيئتها وغايتها مرتبطة بالأمر الشرعي مباشرة وتراعي الزمان والمكان ويقوم النهي بتوضيح حدودها وتفاصيلها، كما في الصلاة والصيام.
هذه التصرفات تمثل تقويما جديدا للأفعال فهي لا تُفرض بالقوة ولا تُنفذ بالإكراه والامتثال فيها تعبير عن الحرية الإنسانية. العوائق النفسية والالتباسات الذهنية موضوع آخر يندرج في دائرة الأخلاق والمعرفة ولا علاقة له بالقوة القهرية (Coercive Power).

في المقابل، الحداثة (Modernity) قدمت منطقًا جديدًا للفعل الإنساني كما أشار تيودور أدورنو بأن الحداثة تستعمر الطبيعة والوعي (“Modernity colonizes nature and consciousness”) أي أن الأفعال الحديثة تقوم على القوة السياسية والاقتصادية ويصبح كل فعل جديد مؤثرا بالقهر دون أن يحمل قيمة أخلاقية أو دينية ذاتية. الحداثة تُدخل أفعالًا جديدة لم تكن موجودة طبيعيا في المجتمعات الإنسانية ولا يمكنها أن تقوم إلا بوجود السلطة والقوة التنفيذية سواء بشكل منفرد أو متزامن.

تحديد هذه الأفعال الجديدة صعب نظرا لغياب رواية معرفية راسخة في اللغة والعقل. فالأفعال الحديثة تمتزج فيها التكنولوجيا مع الفعل الإنساني على مستوى نفسي ومعرفي بحيث لا يكفي مجرد المشاهدة لفهمها. التكنولوجيا تحمل بعدًا مجردًا غير مرئي والفهم العميق لها ضروري لمعرفة ماهية الفعل وطبيعته.
علم الكلام التقليدي قسم العالم إلى ماديات ومجردات. الماديات هي الطبائع والتكنولوجيا مادية لكنها ليست طبيعية والمجردات تجاوزت كونها تصورات ذهنية لتصبح موجودة خارج الذهن كما في التنظيمات التعليمية والمؤسسات.

الإنسان في عالم الحداثة لا يزال يستخدم الأدوات لكنه يصبح موردًا (Resource) للتكنولوجيا يعاد تشكيله جسديًا ونفسيًا. بعد هذا التحول، يتحول الجسد إلى آلة والنفس إلى أداة عمل. في مراكز العلوم الحديثة، الفاعل الإنساني يختفي ويصبح مجرد مورد. هذا الأمر يتكرر في أفعال الحداثة حيث يغيب الإنسان كفاعل ويصبح موضوعًا للاستخدام ويطرح السؤال الجوهري: هل يمكن أن تظل الشريعة بعيدة عن هذه التطورات؟

التنظيم (Organization)، الذي قدمته الحداثة يمثل تقويما جديدا للأفعال الطبيعية ولم يكن موجودًا قبل الحداثة. اليوم، التنظيم هو الأساس في القوة والإنتاج يحوّل الأفعال الإنسانية إلى عمليات تكنولوجية ويعيد تشكيل النفس الإنسانية. الشريعة لا يمكن أن تغلق عينيها أمام هذا الواقع، فالحل الأمثل يكمن في فهم التكنولوجيا نظريًا وعملًا ثم البحث عن توجيه شرعي يربطها بالقيم الإسلامية.

الصلاة تمثل التصرف الشرعي بينما التنظيم يمثل تصرف القوة ورأس المال. المجتمع القائم على الأخلاق والشريعة يختلف جذريًا عن المجتمع القائم على التنظيم والتكنولوجيا. الأول يقوم على حرية الفعل ويخضع الفعل للفطرة بينما الثاني يقوم على القهر (Power) ويخضع الفعل للمادية التقنية.
لذلك، هناك ضرورة ملحة لإعادة النظر في العلاقة بين أصول الفقه والفعل الإنساني والحداثة، ووضع أسس نظرية تربط الشريعة بالتقويم الحداثي للأفعال دون إلغاء الحرية الإنسانية أو التفريط في قيم الفعل الشرعي.

هذه العلاقة بين الشريعة والحداثة تتطلب مقاربة دقيقة توازن بين حرية الفعل وقيمة المعرفة والابتكار التكنولوجي بحيث يظل الفعل الإنساني مركزيا والشريعة مرشدة للإنسان في عالم يتغير بسرعة دون أن تفقد صلاحيتها في تنظيم الحياة الإنسانية.

المقال باللغة الأردية كتبه المفكر الباكستاني محمد دين جوهر وتم نقله إلى اللغة العربية بواسطة حسين عبدالله، والآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لـ UrKish News.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى