آراء و مقالات

مادورو وترامب: كيف تتصرف الإمبراطوريات عند نهاياتها؟

تعبيرية (UrKish via motherjones)

حسن محمود

لأكثر من شهرين ونصف، ظلت البحرية الأمريكية تحاصر فنزويلا في خطوة أثارت جدلا واسعا على المستوى الدولي. خلال هذه الفترة، ارتكبت البحرية الأمريكية سلسلة من الانتهاكات التي يمكن وصفها بجرائم حرب في وقت كان فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوجه تهديداته المستمرة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو محاولا فرض إرادته على أحد أكثر دول أمريكا اللاتينية مقاومة للتدخلات الخارجية.

التاريخ اللاتيني يكشف أن هذا السلوك ليس جديدا. فقد سبق أن تعرض رؤساء آخرون لمحاولات اختطاف أمريكية أو ضغوط شديدة. عام 1989، اختطفت الولايات المتحدة رئيس بنما مانويل نوريغا وفي 2004 أُجبر رئيس هايتي جان برتران أريستيد على ركوب طائرة عسكرية ونُقل أولاً إلى أفريقيا ثم إلى الولايات المتحدة. كذلك سلمت هندوراس وجواتيمالا رؤسائها السابقين لأمريكا ما يعكس مدى هشاشة الدعم الداخلي للرئيس في المنطقة.

الولايات المتحدة لا تقتصر على تغيير القادة السياسيين فقط بل تتدخل أيضا في قيادة عصابات المخدرات حيث يتحول أي من يقاومها إلى رمز ثوري. من أبرز الثوار في القرن العشرين في أمريكا اللاتينية: فيدل كاسترو في كوبا وهوجو تشافيز في فنزويلا.
نجاح كاسترو كان مدعومًا بعدة عوامل، أهمها: التخلص المبكر من نائبٍ يشكل تهديدا وهو تشي جيفارا بالإضافة إلى ضمان أمريكا بعدم دعم أي تمرد ضده أثناء أزمة الصواريخ الكوبية.

أما هوجو تشافيز، فقد واجه انقلابا أمريكيا مباشرًا في 11 أبريل 2002 ونُقل على متن طائرة هليكوبتر إلى مكان مجهول، بينما تولى بيدرو كارمونا السلطة بدعم أمريكي. إلا أن الملايين من المواطنين حاصروا القصر الرئاسي ما أجبر الولايات المتحدة على إعادة تشافيز إلى الحكم بعد يومين.

نمط الأحداث تكرر مع مادورو حيث أقدمت القوات الأمريكية على تحليق عشرات الهليكوبترات فوق كاراكاس على ارتفاع منخفض للغاية دون أي اعتراض. لم يُطلق أي صاروخ أو رصاصة واختطف مادورو مع زوجته بينما تُركت 32 جثة من حراس مادورو الكوبيين.
هناك آراء تشير إلى أن الجيش الفنزويلي نفسه تصرف ضد هؤلاء الحراس لتسهيل مهمة القوات الأمريكية ما يعكس التحديات الداخلية الكبيرة التي يواجهها أي رئيس لاتيني في الحفاظ على ولاء قواته.

تحليلا للخطوة الأمريكية يظهر هدفين رئيسيين، وفق ما أشار إليه المحلل العسكري الباكستاني رعايت الله فاروقي في مقال نشره موقع “We News“:

تعزيز النفوذ الأمريكي في القارة: الولايات المتحدة تسعى للحفاظ على موقعها الاستراتيجي في أمريكا اللاتينية وفرض وجود مؤقت عبر الفوضى والتدخل المباشر.
استخدام فنزويلا كورقة ضغط ضد الصين: قبل زيارة ترامب لبكين، تعتبر فنزويلا المورد الأكبر للنفط للصين وهو ما يمنح أمريكا أوراقا استراتيجية في المفاوضات الاقتصادية.

هذا السلوك يمثل ما يطلق عليه الخبراء مصطلح “سلوك الإمبراطورية في مراحلها الأخيرة” (Late-Stage Empire Behavior) والذي يتصف بست علامات رئيسية:

1- سياسة خارجية عدوانية.
2- الاعتماد على القوة العسكرية بدل الدبلوماسية.
3- ازدواجية المعايير في التعامل الدولي.
4- الضغط المفرط على الحلفاء.
5- خلق ذرائع لصرف الانتباه عن الأزمات الداخلية.
6- تجاهل المبرر الأخلاقي في القرارات الدولية.

ترامب جسد هذه العلامات بشكل واضح، من محاولاته ضم جرينلاند وكندا إلى فرض الرسوم على الحلفاء واستخدام القوة العسكرية في أوكرانيا والشرق الأوسط ونيجيريا وفنزويلا. ازدواجية المعايير ظهرت في دعم عمليات عسكرية هنا واتهام خصوم بالخارج هناك. الضغوط على الحلفاء كانت واضحة في أوروبا والهند بينما يعاني الداخل الأمريكي من تضخم وانقسامات حادة لكن ترامب صرف الانتباه باتهامات متكررة للخارج.

أبرز مثال على تجاهل المبرر الأخلاقي هو: اختطاف مادورو الذي حصل على دعم 21% فقط من الأمريكيين وهو أمر لم يسبق لأي رئيس أمريكي أن أعلن فيه السيطرة على دولة أخرى بهذا الوضوح مخالفًا ميثاق الأمم المتحدة الذي يكفل سيادة الدول واستقلالها.

الأحداث في فنزويلا تعكس تحديا مزدوجا: هشاشة الحكومات المحلية أمام التدخل الخارجي وسلوك القوة الأمريكية في مرحلة تراجعها الاستراتيجي.
هذا المشهد يقدم نموذجا لتحليل سلوك الإمبراطوريات في نهاياتها ودروسا قاسية حول ديناميكيات السلطة والنفوذ في أمريكا اللاتينية والعالم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى