
حسن محمود
مع تطور أساليب الإرهاب، لم يعد التهديد مقتصرًا على الهجمات المسلحة فقط بل امتد ليشمل ما يعرف بـ “ما بعد الإرهاب” (Post‑Terrorism) حيث تتحول العمليات الإرهابية إلى حرب معلوماتية تهدف إلى التأثير النفسي والفكري على المجتمع والدولة والجمهور الدولي. هذا التحول جعل السيطرة على السرد الإعلامي والمعلوماتي جزءًا أساسيًا من الأمن الوطني والعالمي.
تعتمد الجماعات المتطرفة في هذه المرحلة على منصات التواصل الاجتماعي والأدوات الرقمية المشفرة لتجنيد الأفراد ونشر رسائلها وتنسيق الأنشطة بعيدًا عن المراقبة التقليدية. تستهدف هذه الرسائل الشباب مستغلة المظالم المحلية والمشاعر الإنسانية لتوسيع دائرة تأثيرها. كما أصبحت التكنولوجيا الحديثة، بما فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي، أداة لإنتاج محتوى مرئي ومسموع ومترجم بعدة لغات ما يزيد من سرعة الانتشار وقوة التأثير.
تستفيد الجماعات من الدعاية الحسابية، عبر الروبوتات والخوارزميات، لنشر الرسائل بسرعة ودقة وتحليل المشاعر الرقمية لتحديد الشخصيات المؤثرة ضمن المجتمعات الإلكترونية وتوجيه رسائل مخصصة لكل فئة. هذا الأسلوب يتيح لهم تشكيل الرأي العام وزعزعة الاستقرار الاجتماعي وتعزيز بيئة من الشك والاستقطاب حول دور الدولة في مواجهة الإرهاب.
تشير البيانات الحديثة إلى تضخيم الهجمات أيديولوجيًا أحيانًا دون إعلان مسؤولية مباشر وإعادة صياغة الأحداث لتقديم الإرهابيين في صورة ضحايا أو لتشويه صورة الدولة. بعض الدول تستغل بدورها هذه الحرب المعلوماتية للتأثير على الرأي العام خلال الاحتجاجات والصراعات. وتتبنى الجماعات المتطرفة نموذجًا لامركزيًا يركز على السيطرة على السرد المحلي مع دمج الرسائل العالمية ما يعزز من قدرتها على الوصول إلى جمهور واسع.
على مستوى الدول، تتقاطع العمليات المعلوماتية مع الهجمات السيبرانية والسرد الإعلامي لتشكيل المواقف الدولية وتشهد النزاعات الكبرى حملات مستمرة لتشويه الحقائق والتأثير على الجمهور الخارجي. وللتصدي لذلك، تعتمد الدول على استراتيجيات متعددة تشمل إزالة المحتوى المتطرف وتطبيق تشريعات تلزم المنصات الرقمية بالمسؤولية وتعزيز قدرات الاستخبارات الرقمية، إلى جانب برامج التوعية العامة لتعزيز الوعي بالمخاطر الرقمية وتقليل تأثير الحملات المعلوماتية.
مع كل عملية إرهابية، يبدأ فصل جديد من الصراع الفكري والمعرفي. الإرهاب يسلب الأرواح ويفرغ الأماكن من الأمان بينما ما بعد الإرهاب يهاجم العقل والمجتمع ويزرع الخوف والارتباك ويحوّل الإعلام إلى أداة ضغط نفسي وفكري ما يجعله أخطر من العمليات المسلحة في تأثيره بعيد المدى.
المواجهة تتطلب توحيد المجتمع والدولة واعتماد استراتيجيات شاملة تجمع بين المراقبة الرقمية والاستخبارات التقليدية وتعزيز الشفافية على المنصات الرقمية وتثقيف الجمهور حول أساليب التضليل والدعاية المتطرفة. في هذا السياق، لم يعد الأمن مسألة حماية الماديات فقط بل أصبح حماية العقول والمجتمع من الانزلاق خلف سرديات مضللة أولوية وطنية وعالمية.
الإرهاب لم يعد مقتصرًا على البنادق والمتفجرات بل امتد إلى المعلومات والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وأصبحت هذه الأدوات من أخطر أسلحة الحروب الحديثة. مواجهة هذا التهديد تتطلب رؤية واضحة وتخطيطًا استراتيجيًا متكاملًا وقدرة على الصمود الفكري للمجتمع كما يتم حماية المواطنين من الاعتداءات المسلحة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News.




