
ثاقب أحمد
في عالم اللغة والفكر، يشكل النقاش حول الكلمة ومعناها أحد أبرز الملفات الفكرية المعقدة. تعدد المعاني في الكلمة ليس حقيقة طبيعية بل هو حكم تقريري على اللغة وموقف إثباتي وعقيدة معرفية. هذا التعدد، وفق منظور حديث، يعني كثرة وتكرار التصورات على نفس المستوى الوجودي وليس تباينًا جوهريًا في المعنى ذاته.
تأثر الفكر اللغوي الحديث بنظريات فرديناند سوسير الذي ميز بين العلامة الدالة (signifier) والعلامة المدركة (signified). العلامة الدالة تتجسد في الصوت والحروف والكتابة بينما العلامة المدركة تمثل المفهوم المجرد المرتبط بالكلمة. الكلمة بهذا المعنى تصبح وحدة بنيوية لا ترتبط بالضرورة بمرجع خارجي محدد بل تتفاعل في ذهن المتلقي عبر الانتقال بين الملموس (Concrete) والمجرد (Abstract).
هذا التقسيم يحل بشكل جزئي لغز تعدد المعاني لكنه يصبح معقدًا في المجالات الأدبية والدينية حيث لا يمكن تقليص الكلمة إلى بعدين فقط. في هذه السياقات، يظهر “تعدد المعاني” كمسألة زائفة إذ تصبح الكلمة مخزنًا للتجريدات وتفشل الأساليب الرياضية في حلها، لأنها مسألة تقديرية تتعلق بقدرة الذهن على التفاعل مع التجريد.
التصور دائمًا وسيط بين الكلمة والواقع بينما المعنى فوري ويخص النفس البشرية مباشرة. الإنسان الحديث يحتاج إلى الرياضيات والشعر معًا لأن الأول يوفر الدقة والبنية والثاني يعبر عن الفيض والمعنى الفائض. النظرة المشركية ترى تعدد الموجودات كما ترى تعدد التجريدات في الكلمة بينما المنطق اللغوي التقليدي يركز على مراتب المعنى وليس على تعدد المعاني ويعطي أدوات دقيقة لفهم البلاغة والاستعارة والتشبيه.
العلم الإنساني قائم على المعلوم وكل معلوم له مدرك ودليل. الحواس والإدراك والعقل النظري والاستدلال كلها وسائل لتشكيل المعرفة. المعلوم الإيماني، مثل معرفة الغيب، لا يمكن إدخاله في سياق علمي نظري بل يصل الوعي الإنساني منه إلى الكلمة فقط باعتبارها علامة على المراد الغيبي.
الكلمة بهذا تصبح جسرا بين الشهود والغيب والوعي والوجود. توجهها للشهود يزيد البنية ويقلل المعنى بينما توجهها للغيب يزيد المعنى ويقلل البنية حتى تصبح فائضة بالمعنى وتسيطر الإشارات على دلالتها، كما أشار إليه المفكر الباكستاني محمد دين جوهر.
يمكن فهم الكلمة والمعنى من خلال نموذج طرفي: الرياضيات والعرفان. في الرياضيات، تزول السيالية للكلمة ويصبح التعبير البنيوي هو المهيمن ما يجعل المعنى محصورًا في القواعد الصارمة والعلامات. أما في العرفان، فتتجاوز الكلمة بنيتها فتبقى المعاني الفائضة فقط وتغلب الإشارات على الدلالات. في الرياضيات لا مكان للتشبيه بينما في العرفان يصبح التشبيه ممنوعًا لأن المعنى يتجاوز التعبير البنيوي.
الكلمة ليست مجرد وسيلة للتواصل بل هي مساحة للتفاعل بين الملموس والمجرد، بين البنية والدلالة وبين العلم والإيمان. تعدد المعاني إذا فهم على أنه تكرار تصورات في نفس المستوى يظل قضية ذهنية، بينما مراتب المعنى تتيح فهم البلاغة والرمزية.
الحديث عن الكلمة والمعنى يكشف الحاجة إلى موازنة بين دقة الرياضيات وفائض المعنى في الشعر والعرفان ما يعكس طبيعة المعرفة الإنسانية المتعددة الأبعاد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News.




