
ثاقب أحمد
شهدت السنوات الأخيرة عدة صراعات عسكرية قادتها الولايات المتحدة في مناطق مختلفة وكانت وسائل الإعلام الغربية حاضرة بقوة في تغطية هذه الأحداث. لكن تحليل الوقائع يظهر أن الإعلام لا يقتصر على نقل الحقائق بل يعمل كأداة استراتيجية لتوجيه الرأي العام الدولي بما يخدم مصالح النخبة الحاكمة.
منذ بداية التدخل الأمريكي في أفغانستان، دار جدل واسع حول مسار الحرب. توقعات مستقلة أكدت فشل الاستراتيجية الأمريكية بينما ركز الإعلام الغربي على الرسائل التي توحي بأن الولايات المتحدة ستبقى وأن الحكومة ستستمر. ومع مرور الوقت، تبين أن التوقعات المستقلة كانت الأقرب للواقع في حين حاول الإعلام الرسمي تلميع صورة التدخل العسكري.
في النزاع الأوكراني، يروج الإعلام الغربي باستمرار أن روسيا تواجه أزمة اقتصادية وعسكرية وأن أوكرانيا بخير. إلا أن مراجعة البيانات الميدانية، مثل تبادل الجثث بين الطرفين، تظهر أن روسيا تحقق تقدمًا أكبر مما يتم ترويجه في الإعلام. تكشف هذه الفجوة بين الواقع والتغطية دور الإعلام في صياغة رواية تخدم مصالح الغرب.
وسائل الإعلام الكبرى مثل واشنطن بوست ونيويورك تايمز والإيكونوميست وبلومبرغ وبي بي سي وسي إن إن وسكاي نيوز ودي دبليو، تعمل كأدوات لنشر الرسائل التي تريد النخبة العالمية تثبيتها لدى الجمهور لا لنقل الحقائق. الإعلام يعكس مصالح صناعة الحرب حيث تستفيد الشركات الإعلامية من الحروب عبر الترويج لصفقات الأسلحة وتحقيق الأرباح.
الخبرة السابقة توضح أن الإعلام الغربي يغير موقفه حسب تطورات الصراع. إذا سارت الحرب بنجاح يروج الإعلام لشرعية العملية العسكرية وضرورة دعمها، أما عند فشلها يتحول الخطاب فجأة إلى نقد شديد واتهام القيادة السياسية بالفشل كما حدث مع الرئيس الأمريكي ترامب خلال الحرب الأخيرة مع إيران.
أساس أي تحليل موضوعي هو توفر البيانات الدقيقة. كلما زادت البيانات زادت دقة التحليل وعندما تكون البيانات محدودة يزداد احتمال الخطأ. أحيانًا يكون تفصيل صغير هو مفتاح التحليل وتجاهله قد يؤدي إلى استنتاج خاطئ، كما أفاد المحلل العسكري الباكستاني رعايت الله فاروقي.
مثال على ذلك: العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران منذ الثورة. السؤال المحوري: لماذا لم يهاجم أي رئيس أمريكي إيران رغم إمكانية التدخل في دول إسلامية أخرى؟ الإجابة: الإيرانيون ليسوا مجرد أمة بل أمة حضارية، أي هجوم عليهم سيواجه مقاومة شديدة مهما كانت قوتهم العسكرية محدودة. الرئيس المتسرع مثل ترامب فقط يمكن أن يرتكب هذا الخطأ.
البيانات التاريخية تأتي من كتب ومقالات ووثائق وصحف قديمة، بينما البيانات الحديثة غالبًا سرية وتتطلب الوصول المباشر للأطراف المعنية. مثال: الوضع الحالي في باكستان وأفغانستان يتطلب اتصالًا مباشرًا بالأجهزة الدفاعية للحصول على بيانات دقيقة.
بالنسبة لأمريكا والدول الغربية، تُجمع البيانات الحديثة عبر متابعة أشخاص غربيين فقدوا الثقة بالنظام أو أصبحوا منشقين مثل ضباط CIA وMI6 السابقون وضباط الجيش الأمريكي والبريطاني السابقون وسفراء سابقون وصحفيون جيوسياسيون تم تهميشهم. هؤلاء يقدمون بيانات دقيقة عن الحروب والسياسات ويعبرون بصراحة عن وجهات نظرهم.
متابعة وسائل الإعلام الغربية تساعد على فهم ما تفكر فيه النخبة العالمية. على سبيل المثال، إذا صرح الرئيس الأمريكي في اليوم الرابع للحرب: “لا نقص في الأسلحة” يجب على المحلل تفسير ذلك كإشارة لمشكلة محتملة في الإمدادات وليس مجرد نقل البيان حرفيًا.
كما يجب مراقبة التصريحات الحديثة على كلا الجانبين وملاحظة أي تغييرات في المواقف، فالتغيرات تكشف عن ضعف أو اضطراب داخلي.
وزير الخارجية الأمريكي يقول: “إسرائيل دفعتنا إلى الحرب…” والرئيس الأمريكي يقول: “أنا من دفع إسرائيل إلى الحرب…” فتشير مثل هذه التصريحات إلى غياب التخطيط والتنسيق الواضح داخل الإدارة الأمريكية واضطراب كبير في المعسكر الأمريكي منذ الأيام الأولى للحرب.
هذا التحليل يوضح أن فهم الحروب الحديثة يتطلب الجمع بين البيانات التاريخية والحديثة ومتابعة المصادر المباشرة وتحليل التصريحات الإعلامية بحذر للوصول إلى تقييم دقيق للأحداث وتجنب الانجرار خلف روايات الإعلام الرسمية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News.




