
أحمد جليل
شهدت السياسة العالمية بعد منتصف القرن التاسع عشر تغيرات جذرية حيث واجه الاستعمار الغربي والأمريكي تحديات ناتجة عن القوة العلمية والتكنولوجية للدول الصاعدة. فقد مثلت اليابان بعد الثورة الميجي (Meiji Restoration) مثالا واضحا على دولة صاعدة اقتصاديا وعسكريا، سعت للعب دور فاعل في النظام العالمي وهو ما رفضه الغرب الاستعماري وانتهت محاولاتها بالسيطرة عليها قبل الحرب العالمية الثانية.
التحدي الثاني ظهر مع الثورة البلشفية (Bolshevik Revolution) في روسيا التي استقرت بعد الحرب العالمية الثانية. جذور هذا التحدي تعود إلى الميول الرومانسية السياسية ورفض الرأسمالية منذ الثورة الفرنسية والتي تجلت في الثورة البلشفية. مواجهة هذا التحدي استغرقت عقودا خاصة مع ظهور الفاشية في ألمانيا تحت حكم هتلر ما أدى إلى حرب أوروبية داخلية استنزفت القوى الغربية قبل أن تتجه الولايات المتحدة بقيادة الغرب لمواجهة الاشتراكية البلشفية وتهميش روسيا بعد الحرب.
مع نهاية الحرب العالمية الثانية وبروز النظام أحادي القطب، بدا أن الولايات المتحدة وأوروبا قد فرضتا هيمنتهما على العالم لكن هذه الهيمنة لم تدم طويلا مع صعود التحدي الصيني. إدارة الرئيس ترامب ركزت على مواجهة هذا التحدي من خلال سياسات تهدف لإضعاف الصين اقتصاديًا وعسكريًا ومحاولة إعادة تشكيل النظام العالمي بما يضمن بقاء الهيمنة الأمريكية، كما أشار إليه المفكر الباكستاني محمد دين جوهر.
السياسات الأمريكية الحالية تختلف عن نهجها السابق تجاه اليابان وروسيا إذ تسعى الولايات المتحدة لقطع وصول الصين إلى الموارد الأساسية والأسواق العالمية بما يشمل السيطرة المباشرة على النفط في الشرق الأوسط على غرار تجربتها في فنزويلا. تهديد جزيرة خارج الإيرانية (Kharg) يعكس رغبة واشنطن في تقليل اعتماد الصين على مصادر الطاقة الإقليمية.
في الصراع الحالي، يُثار النقاش حول دور إسرائيل في دفع الولايات المتحدة نحو الحرب لكن الواقع يظهر أن أهداف الدولتين متقاطعة جزئيا. الهدف الأمريكي الأساسي هو إخراج الصين من منطقة الشرق الأوسط بينما تسعى إسرائيل للقضاء على المقاومة الإيرانية بدعم أمريكي كامل. هناك بعد آخر مرتبط بالمعتقدات الصهيونية المسيحية التي تسعى لتوفير ظروف نزول المسيح حسب معتقداتهم والكيان المحتل يستغل ذلك سياسيا لتوسيع نفوذ إسرائيل.
المجتمعات المسلمة تواجه مخاطر كبيرة في هذا السياق إذ تُنظر إليها كموارد اقتصادية وسياسية دون امتلاك وكالة سياسية مؤثرة. أي مقاومة صغيرة يتم قمعها وإيران تمثل رمزا للمقاومة ضد النفوذ الخارجي ما يجعلها هدفا رئيسيا للحرب الأمريكية الإسرائيلية بهدف القضاء على أي استقلالية محتملة للدول المسلمة.
الوهابية والدول العربية الناشئة عنها كانت نتاج الاستعمار البريطاني والأمريكي وأصبح بقاء الدول النفطية العربية مهددا خاصة مع تقلص أهميتها المباشرة. الولايات المتحدة تسعى الآن للسيطرة المباشرة على احتياطيات النفط لمنع الصين من الاستفادة منها ما يجعل النفط هدفا محوريا للحرب. التوجه لدعم الوهابية بشكل مباشر يهدف لتعزيز النفوذ ضد المجتمعات المسلمة وإضعاف أي مقاومة محتملة.
في ضوء هذا الواقع، تبقى الخيارات أمام إيران والمسلمين محدودة مع احتمال استخدام الأسلحة النووية إذا فشلت الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها سريعا. النجاة من هذه التهديدات تتطلب تدخل دبلوماسي وسياسي من القوى الكبرى مثل الصين وروسيا. كما يظل المسجد الأقصى في قلب المخاطر مع توقعات ببدء تدميره وبدء بناء الهيكل الثالث نهاية مارس ما يشكل تهديدا دينيًا وسياسيًا كبيرًا.
هذه الديناميات تكشف عن تعقيد العلاقات الإقليمية والعالمية حيث تتقاطع المصالح السياسية والدينية والاقتصادية وتضع المجتمعات المسلمة في قلب صراعات القوة العالمية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News.




