
يطرح الإمام الغزالي في كتابه “المنقذ” رؤية دقيقة عن حدود العلوم العقلية ويؤكد أنها تلبي متطلبات الرياضيات والمنطق لكنها عاجزة عن تلبية الاحتياجات النفسية والوجودية للإنسان. يوضح الغزالي أن المعرفة التصورية، مهما بلغت من دقة، تبقى غير كافية لإشباع العمق النفسي للإنسان بينما المعرفة غير التصورية هي السبيل الوحيد لتلبية هذه الاحتياجات.
هذا التمييز بين علوم العقل وعلوم النفس يشكل قاعدة مهمة لفهم علاقة الإنسان بالعلم والدين والعالم.
مع ظهور رينيه ديكارت، تحول التركيز الفلسفي نحو فاعل معرفي واعٍ (cognitive subject) وظهر بذلك مفهوم “الفاعل العلمي” بشكل واضح في الفلسفة الغربية. هذا الفصل بين “الإنسان” و”الفاعل العلمي” شكل منعطفا مهما خصوصا مع تطور الفيزياء الحديثة التي جعلت العالم موضوعا قسريا للقوانين الطبيعية بينما أصبح الفاعل العلمي مركز الاهتمام الفلسفي.
إيمانويل كانط صاغ هذا المفهوم على شكل “الوحدة التجاوزية للإدراك” (Transcendental unity of apperception) ما جعل العقل هو الجوهر الذي تُبنى عليه المعرفة في حين تراجع دور الإنسان إلى الخلفية.
في القرن العشرين، أطلقت التحولات الفلسفية الكبرى ما عرف بـ “التحول اللغوي” (linguistic turn) مما أفرز الفلسفة التحليلية. خلال هذه المرحلة، اختفى تأثير الفاعل العلمي والإنسان وتحولت المعرفة إلى نتاج اللغة البشرية لتصبح معرفة موضوعية منفصلة عن الإيمان. بذلك أصبح من المستحيل الجمع بين العلم والدين وبرزت تعريفات جديدة للمعرفة تعتمد على اللغة لا على العقل أو الفاعل العلمي.
توضح الفلسفة النقدية أن هناك انفصالا بين الوعي الإنساني والواقع بينما في الفلسفة التحليلية اختفى حتى الرابط بين الوعي والمعرفة. فوكو يرى العقل ليس ملكة ثابتة للإنسان بل ظاهرة تاريخية تتشكل من تفاعل السلطة والمعرفة وهو ما يوضح كيف أصبحت المعرفة أداة للهيمنة التاريخية أكثر من كونها تعبيرا عن العقل البشري.
في الفلسفات ما بعد الحداثة، يختفي الدين والعقل والإنسان وتصبح المعرفة والفعل الإنساني مجرد نيهيلية (pure nihilism) بينما المجتمع الغربي يظهر كقوة نيهيلية غير مقيدة.
فهنا يبرز تحدٍّ مزدوج: الدفاع عن الدين وحماية الطبيعة الإنسانية وتنمية العقل. الحداثة رفضت الدين لكنها مزقت الطبيعة الإنسانية ما جعل الحديث عن الدين في إطار العلم المستند إلى العقل شبه مستحيل.
انهيار الحضارة والعقل والعلم في بعض المجتمعات لم يحدث بسبب أعداء ظاهرين بل نتيجة هيمنة من يروجون للميتافيزيقا الحديثة والباطنية الجديدة الذين هدموا العقل والتقاليد وقلصوا مساحة الفكر الإنساني الحر.
يبقى الدرس واضحا: حماية ملكات العقل الطبيعية وتنمية الوعي البشري هما الأساس لمواجهة التحديات الفكرية المعاصرة ولضمان بقاء الدين والمعرفة في توازن يحقق للإنسان عمق فهمه واحتياجاته الحقيقية.
المقال باللغة الأردية كتبه المفكر الباكستاني محمد دين جوهر وتم نقله إلى اللغة العربية بواسطة أحمد جليل والآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News.




