آراء و مقالاتحوار

ترامب والمصالحة: صعوبات إدارة النزاعات دون تبادل مصالح

صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي (UrKish)

المصالحة تمثل أحد أبرز أفعال الاحترام على المستويين الاجتماعي والدولي حيث تنعكس قدرة الأطراف على حل النزاعات سلميا في احترام العالم لها. قطر برزت في السنوات الأخيرة كمثال واضح على المصالحة الفعّالة.
فقد نجحت الدولة الخليجية في إدارة تبادل الأسرى بين إيران والولايات المتحدة خلال ولاية الرئيس الإمريكي السابق جو بايدن شمل تبادل خمسة أسرى من كل طرف واستلام إيران 6 مليارات دولار مجمدة في كوريا الجنوبية تم تحويلها إلى بنوك قطرية مقابل الحصول على الغذاء والدواء. كما لعبت قطر دورا محوريا في تبادل أسرى الحرب بين روسيا وأوكرانيا مما عزز مكانتها كمصلح دولي موثوق.

لكن المشهد يختلف حين يكون أحد الأطراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فالمصالحة تتطلب التبادل والتنسيق بينما ترامب يركز على المكاسب الشخصية فقط ويُصرح بشكل مباشر أمام الإعلام مطالبا بتأكيد إنجازاته على أنها أعمال سلام.
وفي حالة عدم تصديق الأطراف لهذه الواجهة، تتحول أساليبه إلى الترهيب والإذلال ما يعقد فرص نجاح أي وساطة.

أحد أبرز الأمثلة هو الأزمة الفنزويلية. حاولت قطر التوسط خلف الكواليس لحل النزاع إلا أن ترامب أمر باختطاف الرئيس مادورو ما أربك المسؤولين القطريين. علاوة على ذلك، تم تداول أخبار مزيفة عبر وسائل الإعلام تزعم تعاون نائبة الرئيس الفنزويلية ديلسي رودريغيز مع قطر للتفاوض مع الولايات المتحدة. وفي النهاية، لم يفض النزاع إلى أي تبادل فعلي إذ ركز ترامب على مصالحه فقط دون أي تراجع.

الأزمة الإيرانية في مايو ويونيو الماضي تقدم نموذجا آخر لتحديات المصالحة. لعبت عمان دور المصلح بين الولايات المتحدة وإيران وكان من المقرر استكمال الجولة التالية من المفاوضات لكن إسرائيل شنت هجوما على إيران قبل موعد الجولة مباشرة بموافقة ضمنية من ترامب.
بعد فشل الهجوم، تدخل ترامب للحماية دون إعلان هدنة رسمية مع إبقاء إمكانية هجوم لاحق مفتوحة. وفي الجولة التالية، أُعيد إشراك عمان في مفاوضات وهمية لكن الهجوم وقع مجددا أثناء المفاوضات ما أدى إلى مقتل القادة الإيرانيين.

في حرب أوكرانيا، على الرغم من كون الولايات المتحدة وروسيا طرفين مباشرَين، بدأ ترامب بالتواصل المباشر مع روسيا وأعلن فجأة أن الولايات المتحدة ليست طرفا بل مصلح بينما أوكرانيا هي الطرف الفعلي. طالب ترامب مرارا بوقف إطلاق النار لتحقيق تقدم نحو السلام لكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رفض ذلك.
حتى اللقاء وجها لوجه بين ترامب وبوتين في أنكرج، أُعلن عدم وجود وقف لإطلاق النار بل الاتفاق على التقدم نحو السلام مباشرة مع تحديد موعد للقاء لاحق. وعند الموعد التالي، تراجع ترامب وكرر طلب وقف إطلاق النار مستخدما إياه كأداة للتحضير العسكري كما حدث في إيران.

بوتين يتمتع بخبرة طويلة، فهو قيادي سابق في جهاز الاستخبارات السوفيتي وحاكم روسيا منذ 25 عاما ويُصنّف من أبرز القادة في التاريخ الحديث لروسيا.
أمام هذا الزعيم، بدا ترامب عاجزاً عن فرض أي تأثير فعلي ما يعكس صعوبة المصالحة في بيئة تتقاطع فيها السياسة الداخلية مع المصالح الدولية ويُبرز أهمية المصداقية والتنسيق في إدارة النزاعات على مستوى العالم.

هذه التجارب تؤكد أن المصالحة الدولية ليست مجرد خطاب إعلامي بل عملية دقيقة تتطلب التخطيط والثقة والالتزام بالقواعد وأن أي استبعاد لهذه العوامل قد يؤدي إلى نتائج عكسية تعقد المفاوضات وتضع الوسيط الحقيقي في مأزق أمام الأطراف.

المقال باللغة الأردية كتبه المحلل العسكري الباكستاني رعايت الله فاروقي وتم نقله إلى اللغة العربية بواسطة حسن محمود والآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى