
على المستوى الشعبي، هناك ميل قوي لإصدار الأحكام الفورية في القضايا الكبرى دون السعي للفهم العميق أو التعلم. كثيرون يعتقدون أن الحروب تقوم على أسس دينية، مثل الصراع بين الإسلام والكفر، بينما الواقع التاريخي والجيوسياسي يوضح أن الحروب تنشب عادة من أجل توازن القوى والسيطرة على الموارد الاستراتيجية.
كل دولة تدرك أن أي خلل في ميزان القوة يعرضها للخطر ولهذا السبب تحدث الحروب على المواقع التجارية والنقاط الاستراتيجية ذات الأهمية الكبرى.
التاريخ الإسلامي يوفر مثالا واضحا: جيوش الصحابة (رضي الله عنهم) لم تتحرك لغزو الشعوب لأسباب دينية بحتة بل استهدفت المواقع الاستراتيجية والتجارية. عند حصار المدن، استهدفت الجيوش كل المواقع المهمة تجاريا واستراتيجيا. لم يُشترط دخول الإسلام فحسب، بل كانوا يقولون: “إما أن تقبلوا الإسلام وتسلموا المنطقة أو إذا لم تقبلوا ادفعوا الجزية وسنضمن حماية حياتكم وأموالكم وإلا استعدوا للحرب”
هذا المبدأ ساهم في سيطرة الجيوش على مناطق استراتيجية بينما أوروبا لم تُستهدف إلا إسبانيا لأن باقي القارة لم تكن تحتوي على مدن تجارية أو موارد طبيعية مهمة وهو نفس النهج الذي اتبعه المغول بعدهم. الدرس الأساسي أن الحروب تتعلق بالموارد وليس الدين وأي منطقة بلا موارد غالبا ما تُترك دون هجوم.
الحروب الحديثة يمكن تحليلها عبر ثلاثة مستويات:
المستوى التكتيكي: يركز على المعارك المحلية ضمن قطعة محددة من الجبهة بقيادة ضباط برتبة ملازم أو نقيب أو رائد لاستهداف مدن أو قرى محددة.
المستوى العملياتي: يشمل عدة معارك تكتيكية مترابطة ضمن جبهة واسعة تحت إشراف قادة الفيلق والمستوى التنفيذي حيث يُحدد أين يركز الضغط وأي المناطق يجب السيطرة عليها أولا.
المستوى الاستراتيجي: المستوى الأعلى الذي تحدد فيه القيادة العليا أهداف الحرب النهائية بما في ذلك النصر الوطني أو الهزيمة ويعتمد على نجاح المستوى العملياتي في تحقيق أهدافه.
تطبيق هذه النظرية على النزاعات الحديثة يوضح الديناميكيات العسكرية والسياسية. مثال ذلك السيطرة الروسية على الوضع في أوكرانيا إذ تحركت العمليات على المستوى العملياتي وفق خطط محددة ما أدى إلى تفوق استراتيجي على الخصم.
في الحرب الراهنة في الشرق الأوسط، شهدت 28 فبراير هجمات صاروخية إسرائيلية وأمريكية على مواقع إيرانية متنوعة. معظم الهجمات كانت تكتيكية وبعضها ذو بعد عملياتي وأهمها الهجوم على مجمع المرشد الأعلى علي خامنئي. الهدف المعلن من قبل ترامب ونتنياهو كان خلق فوضى داخل إيران لفرض تغير داخلي سريع لكن النتائج كانت عكس التوقعات، مع تكبد خسائر رمزية للمدنيين وأحداث أثارت فضائح عالمية دون تحقيق أي نجاح تكتيكي أو عملياتي ملموس.
التصريحات الأمريكية والإسرائيلية حول تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية وتناقضها مع تقارير الواقع على الأرض، تشير إلى ارتباك ذهني وعدم القدرة على تنسيق موقف موحد بين القوى المعتدية. استراتيجيا، منح ترامب إيران مهلة ثم مددها وهو ما اعتبره خبراء عسكريون خطوة ضمن “الهجوم لإنهاء الحرب” لإفساح المجال للانسحاب مع حفظ ماء الوجه وهو تكتيك متبع في الحروب الحديثة لتقليل الخسائر السياسية والعسكرية.
في الوقت الحالي، تحشد الولايات المتحدة قوات لفتح مضيق هرمز بعدد 70 ألف جندي بينما تشير التحليلات العسكرية إلى أن أي عملية ناجحة تتطلب نصف مليون جندي على الأقل. المقارنة مع حملة لافاجيما في عام 1945 حيث خسر 6000 جندي أمريكي وأصيب 20 ألف على جزيرة صغيرة، تظهر صعوبة أي عملية واسعة النطاق في مضيق هرمز. أي خطأ تكتيكي أو استراتيجي مشابه قد يؤدي إلى كارثة على مستوى القوات الأمريكية.
الواقع العسكري والسياسي يفرض أن تقييم الحروب يجب أن يستند إلى الحقائق الميدانية وتحليل المستويات التكتيكية والعملياتية والاستراتيجية. فهم هذه المستويات يمكّن من تقدير المخاطر والفرص بدقة ويكشف الفجوة بين التصريحات الإعلامية والواقع على الأرض.
النصر أو الهزيمة لا يُحدد بالشعارات بل بالتخطيط المنهجي والسيطرة الواقعية على الموارد والمراكز الاستراتيجية.
المقال باللغة الأردية كتبه المحلل العسكري الباكستاني رعايت الله فاروقي وتم نقله إلى اللغة العربية بواسطة حسن محمود والآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News.