
أمينة أحمد
أعاد المؤتمر الصحفي الأخير الذي عقده بنيامين نتنياهو في القدس فتح نقاش واسع حول طبيعة الرؤية التي تحكم السياسة الإسرائيلية في المرحلة الراهنة. لم يكن الحدث مجرد عرض عسكري أو تحديث ميداني بل تحوّل إلى لحظة كاشفة لمرجعية فكرية تقوم على قراءة خاصة للتاريخ تجسدت في مقارنة مباشرة بين يسوع المسيح وجنكيز خان.
استند نتنياهو إلى طرح للمؤرخ ويل ديورانت ليؤكد أن مسار التاريخ لا تحكمه القيم الأخلاقية بقدر ما تحدده موازين القوة. الرسالة كانت واضحة. التفوق الأخلاقي لا يكفي دون امتلاك أدوات الردع. هذا الطرح، رغم تغليفه بإطار تحليلي، أثار ردود فعل حادة داخل الولايات المتحدة خاصة بين التيارات المحافظة المرتبطة بقاعدة دونالد ترامب حيث اعتبره البعض مساسًا برمز ديني مركزي.
الضغط السياسي والإعلامي دفع نتنياهو إلى التراجع التكتيكي مؤكدًا أنه لم يقصد الإساءة بل أراد التحذير من مخاطر الضعف لكن التوضيح لم يلغِ الدلالة الأساسية للتصريح. فالمقارنة نفسها تعكس تصورًا يضع القوة في موقع الحسم ويعيد تعريف العلاقة بين الأخلاق والسياسة.
هذه ليست المرة الأولى التي يوظف فيها نتنياهو التاريخ لصياغة مواقفه. في أكثر من مناسبة، شدد على أن دراسة التاريخ تمثل الأساس لفهم الحاضر واتخاذ القرار. هذا التوجه يظهر بوضوح في استعاراته المتكررة حيث يتحول جنكيز خان إلى نموذج للفاعلية الصارمة بينما يُستدعى يسوع المسيح كرمز أخلاقي غير قادر على فرض الوقائع.
ضمن هذا الإطار، لا تبدو الإشارات التاريخية مجرد أدوات بلاغية بل مكونات أساسية في بناء الرؤية السياسية. وقد سبق لنتنياهو أن عبّر عن هذا المنطق حين أكد أن بقاء الدول مرهون بقوتها وأن الضعف يقود إلى التلاشي من المشهد التاريخي.
تجلّى هذا التصور بشكل أكثر وضوحًا في دعوته إلى تحويل إسرائيل إلى نسخة حديثة من إسبرطة. هذا النموذج يقوم على مجتمع منظم حول المؤسسة العسكرية يعتمد على الجاهزية الدائمة ويضع الأمن في صدارة الأولويات. ورغم محاولات التخفيف من وقع هذا الطرح لاحقًا، فإن دلالاته الاستراتيجية بقيت حاضرة في السياسات الفعلية.
على الأرض، انعكس هذا التوجه في تراجع المسار السياسي لصالح المقاربة العسكرية. منذ سنوات، تم تقليص فرص التفاوض، خصوصًا في الملف الفلسطيني، مقابل توسيع نطاق العمليات العسكرية في أكثر من ساحة، من غزة إلى لبنان وصولًا إلى إيران. هذا التحول لم يكن ظرفيًا بل أصبح جزءًا من عقيدة أمنية ترى في القوة اللغة الأساسية للتعامل مع البيئة الإقليمية.
المؤسسة العسكرية بدورها تبنّت هذا المنحى. تحذيرات سابقة من قيادات مثل هرتسي هليفي بشأن غياب الأفق السياسي لم تمنع ترسيخ نهج العمليات الممتدة. ومع القيادة الحالية برئاسة إيال زامير، يبرز خطاب يقرّ بإمكانية استمرار المواجهات لفترات طويلة دون تحديد نهاية واضحة. ويرى باحثون، من بينهم يغيل ليفي، أن هذا النمط يعكس اعتمادًا متزايدًا على القوة كخيار دائم.
في المقابل، تواجه هذه السياسات انتقادات قانونية دولية متصاعدة. فقد أشارت محكمة العدل الدولية إلى احتمال وقوع انتهاكات جسيمة بينما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت. هذه التطورات تعكس فجوة متزايدة بين الخطاب الأمني ومتطلبات القانون الدولي.
ميدانيًا، تتجلى آثار هذا النهج في حجم الدمار الواسع وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين إضافة إلى سياسات تهجير ومنع عودة السكان وتكررت مؤشرات هذا التوجه في التصريحات المتعلقة بلبنان حيث طُرحت سيناريوهات تقوم على تدمير مناطق حدودية كاملة.
في السياق ذاته، توسعت العمليات لتشمل استهداف بنى تحتية مدنية في إيران ما يعزز الانطباع بأن استخدام القوة لم يعد مرتبطًا بهدف تكتيكي محدد بل أصبح أداة لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية حتى على حساب الاستقرار العام.
تحليل هذه السياسات يقود إلى مفهوم يصفه بعض الباحثين بـ”الهيمنة السلبية” أي القدرة على التعطيل وإضعاف الخصوم دون تقديم نموذج بديل للاستقرار. هذا النمط يخلق بيئة مفتوحة على صراعات ممتدة يصعب احتواؤها أو التنبؤ بمآلاتها، بجسب تقرير نشره موقع “Mekomit“.
تاريخيًا، يمكن ربط هذا التوجه بأفكار زئيف جابوتنسكي، خاصة نظريته “الجدار الحديدي” التي تضع القوة في قلب المشروع السياسي. هذه الخلفية الفكرية أسهمت في تشكيل بنية أمنية ترى في الردع الصارم شرطًا أساسيًا للبقاء.
في المقابل، تطرح المقارنة التي بدأ بها الجدل سؤالًا أعمق حول العلاقة بين القوة والقيم. يمثل يسوع المسيح نموذجًا أخلاقيًا قائمًا على التسامح كما يحظى عيسى بن مريم (عليه السلام) بمكانة مماثلة في الإسلام باعتباره رمزًا للرحمة والعدل. هذا البعد الأخلاقي لا يرتبط بالضعف بل يقدم تصورًا مختلفًا لمفهوم القوة يقوم على الشرعية والقبول.
التاريخ يقدم نماذج متباينة. إمبراطوريات قامت على العنف مثل إمبراطورية جنكيز خان تمكنت من فرض سيطرة واسعة لكنها لم تحافظ على استمراريتها. في المقابل، استمرت منظومات القيم الدينية والأخلاقية عبر قرون طويلة مؤثرة في تشكيل المجتمعات.
في ضوء ذلك، لا يبدو الجدل حول تصريحات نتنياهو مجرد خلاف لغوي أو ديني بل يعكس صراعًا أعمق بين نموذجين في فهم السياسة. نموذج يراهن على القوة كأداة حسم نهائية وآخر يربط الاستقرار بشرعية تستند إلى القيم.
النتيجة النهائية لهذا الصراع لم تُحسم بعد. لكن المؤكد أن المنطقة تدخل مرحلة تتزايد فيها كلفة الخيارات العسكرية في ظل غياب مسارات سياسية واضحة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News.