
يمر العالم بمرحلة تحولات كبرى، وخلال هذه المرحلة تبرز مكانة دولتين بصورة خاصة: باكستان التي كانت الهند تقول إنها نجحت في عزلها دوليًا، والهند التي كان رئيس وزرائها ناريندرا مودي ووزير خارجيتها جايشنكار يقدمانها باعتبارها قوة عالمية صاعدة مستندين إلى دخولها نادي أكبر عشرة اقتصادات في العالم ووصولها إلى مجموعة العشرين.
ومن المهم التذكير بأن الهند نفسها كانت تعمل على إقامة مشروع ميناء تشابهار في إيران في محاولة لبناء منافس إقليمي لميناء جوادر الباكستاني. لكن المشهد تغير خلال العام الماضي بسرعة كبيرة إلى درجة يصعب معها تصديق أن هذه التحولات حدثت خلال عام واحد فقط.
إن انتقال صورة الهند من دولة تتحدث بثقة عن صعودها الدولي إلى دولة تواجه ضغوطًا متزايدة على خياراتها الخارجية يمثل حالة جديرة بالدراسة. وفهم هذا التحول يحتاج إلى قراءة مترابطة للمسار العسكري والدبلوماسي والاقتصادي الذي سبق عملية “السندور” وتلاها.
قبل عملية “السندور” بنت الهند صورة واسعة عن قوتها الدبلوماسية. صورة أرادت نيودلهي أن تتعامل معها دول العالم باعتبارها حقيقة راسخة. غير أن هذه الصورة قامت في جزء كبير منها على قراءة متفائلة لعدد من الحقائق الدولية ثم تحويلها إلى استنتاجات أكبر من حجمها.
بعد عام 2019 عملت الهند على ترسيخ خطاب دبلوماسي يقوم على عدة أفكار رئيسية: الهند أصبحت قوة اقتصادية كبرى والهند تمثل بديلًا مناسبًا للصين بالنسبة إلى الغرب والغرب يحتاج إلى الهند، وعلاقاتها مع روسيا تمنحها مساحة واسعة للمناورة ولذلك تستطيع اتخاذ قراراتها بعيدًا عن ضغوط القوى الكبرى.
كانت وراء هذا الخطاب مجموعة من المعطيات الحقيقية. فقد تولت الهند رئاسة مجموعة العشرين وأصبحت عضوًا في تحالف “كواد” وتوسعت علاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة كما تطورت علاقاتها مع الدول الأوروبية. وفي الوقت نفسه واصلت شراء النفط الروسي بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا واتخذت موقفًا يقوم على الدعوة إلى السلام مع الحفاظ على علاقاتها مع موسكو.
لكن الانتقال من هذه المعطيات إلى استنتاج أن الهند أصبحت قوة عظمى مستقلة القرار كان يمثل مشكلة أساسية في هذا التصور.
فهناك فارق كبير بين حجم الاقتصاد وبين القدرة على توجيه مواقف القوى الكبرى خلال الأزمات. حجم الناتج المحلي الإجمالي يمنح الدولة وزنًا اقتصاديًا. أما النفوذ السياسي فيحتاج إلى أدوات أخرى: من بينها القوة العسكرية والتحالفات والقدرة على التأثير في قرارات الآخرين والقدرة على تحمل الضغوط عندما تتعارض المصالح.
وهنا ظهرت نقاط ضعف الهند بصورة مبكرة.
فقد كانت حكومة مودي تنظر بحساسية شديدة إلى انتقادات إدارة جو بايدن بشأن الديموقراطية وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات في الهند. وكانت هذه الملفات تضغط على الصورة التي حاولت نيودلهي تقديمها عن نفسها باعتبارها ديمقراطية كبرى وشريكًا استراتيجيًا للغرب.
ثم ظهرت قضيتان أمنيتان أكثر حساسية:
الأولى في الولايات المتحدة وتتعلق بمؤامرة مزعومة لاغتيال الناشط جورباتوانت سينغ بانون على الأراضي الأمريكية. والثانية في كندا وتتعلق بمقتل الناشط السيخي الكندي هارديب سينغ نيجار في يونيو 2023.
في قضية نيجار ظهرت اتهامات بوجود صلات بين الجريمة وشبكات إجرامية هندية. كما تحدثت السلطات الكندية عن معلومات استخباراتية تشير إلى ارتباط محتمل بعناصر مرتبطة بالحكومة الهندية. وأدى الملف إلى أزمة دبلوماسية حادة بين كندا والهند.
أما القضية الأمريكية فتتعلق بنيخيل جوبتا الذي اتهمته وزارة العدل الأمريكية بالمشاركة في مؤامرة لاستئجار قاتل لتنفيذ عملية اغتيال ضد بانون. ووفق الرواية الأمريكية، جرى التواصل مع شخص ظنه المتهم قادرًا على تنفيذ العملية ثم تبين أنه يعمل مخبرًا لدى إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية. وانتقلت القضية بعد ذلك إلى التحقيقات الفيدرالية.
وأصبحت القضية أكثر خطورة بالنسبة إلى نيودلهي بعد اتهام مسؤول في جهاز استخبارات هندي يدعى فيكاش ياداف بالارتباط بالتخطيط للعملية.
بغض النظر عن المواقف السياسية من هذه القضايا، فإن أثرها الدبلوماسي كان واضحًا. فقد وضعت الهند أمام سؤال صعب يتعلق بحدود نشاطها الأمني خارج أراضيها كما أضعفت جزءًا من الصورة التي كانت تحاول بناءها عن نفسها كقوة مسؤولة وصاعدة داخل النظام الدولي.
ثم جاءت المواجهة الهندية الباكستانية لتكشف جانبًا آخر من المشهد.
بعد عملية السندور اتجهت الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب إلى تعزيز التواصل مع باكستان. وحظي المشير عاصم منير بمستوى مرتفع من الاهتمام الأمريكي. وفي الوقت نفسه برزت انتقادات أمريكية للهند على خلفية المواجهة العسكرية والجدل حول الطائرات الهندية التي تعرضت للخسائر خلال القتال.
وهنا بدأت باكستان في تحويل التطورات العسكرية إلى مكاسب دبلوماسية. كانت إسلام آباد تدرك أن الفرصة تحتاج إلى تحرك سريع. فالسياسة الأمريكية في عهد ترامب شديدة التقلب وأي فرصة سياسية تحتاج إلى استثمارها قبل تغير الأولويات.
لذلك تحركت الدبلوماسية الباكستانية بسرعة وحاولت تحويل نتائج المواجهة العسكرية إلى علاقات سياسية واقتصادية وأمنية أوسع. ومع مرور الوقت أصبح واضحًا أن المعركة لم تعد محصورة في المجال العسكري. فقد انتقلت آثارها إلى العلاقات الدولية وإلى موازين النفوذ في المنطقة.
ومن هنا نفهم موقع باكستان الحالي على الساحة الخارجية. فالمسار الذي بدأ بعملية عسكرية تحول إلى مسار دبلوماسي واسع. وأصبحت باكستان طرفًا حاضرًا في ملفات تتجاوز جنوب آسيا إلى غرب آسيا وبرزت علاقاتها مع السعودية وإيران بصورة خاصة.
وهنا تظهر قاعدة أساسية في العلاقات الدولية. السياسة الخارجية والسياسة الدفاعية تعملان ضمن منظومة واحدة. عندما تصل الدبلوماسية إلى طريق مسدود تدخل القوة العسكرية إلى المشهد وعندما تفشل القوة في تحقيق أهدافها تعود الدبلوماسية إلى الواجهة.
قصة ميناء تشابهار تقدم مثالًا واضحًا على هذه العلاقة. بدأت الهند الاستثمار في تشابهار باعتباره مشروعًا استراتيجيًا يمنحها منفذًا إلى أفغانستان وآسيا الوسطى ويعزز حضورها في بحر العرب. كما رأت فيه أداة لمنافسة الدور الذي يؤديه ميناء جوادر في إطار الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.
لكن الضغوط الأمريكية على إيران وضعت الهند أمام حسابات مختلفة. ومع تشديد العقوبات الأمريكية على طهران أصبحت قدرة الهند على توسيع حضورها في تشابهار مرتبطة بدرجة كبيرة بموقف واشنطن.
وهنا ظهرت حدود الاستقلال الاستراتيجي الهندي. فالدولة التي كانت تقدم نفسها باعتبارها قادرة على اتخاذ قراراتها بصورة مستقلة وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة حساباتها عندما اصطدمت مصالحها الإيرانية بالموقف الأمريكي.
وتحمل هذه المسألة دلالة أكبر من مجرد مشروع ميناء. فهي تكشف الفارق بين امتلاك مشروع استراتيجي وبين القدرة على حماية هذا المشروع سياسيًا واقتصاديًا أمام الضغوط الدولية.
ولهذا فإن الحديث عن قوة الهند يحتاج إلى تمييز واضح بين مستويات القوة المختلفة.
الهند قوة اقتصادية كبرى. الهند دولة نووية. الهند تمتلك جيشًا كبيرًا وشبكة علاقات دولية واسعة. الهند عضو في مجموعة العشرين وكواد وتتمتع بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا.
لكن كل هذه العناصر لا تعني تلقائيًا امتلاك قدرة مستقلة على إدارة الأزمات الدولية وفقًا للمصالح الهندية وحدها.
وفي المقابل، فإن باكستان أمام فرصة مهمة. نجاحها في استثمار التحولات الحالية يحتاج إلى تحويل المكاسب المؤقتة إلى مؤسسات وعلاقات طويلة الأمد. القوة الدبلوماسية تحتاج إلى اقتصاد قوي. والقوة العسكرية تحتاج إلى سياسة خارجية واضحة. والعلاقات الدولية تحتاج إلى مصالح متبادلة تتجاوز اللحظة السياسية.
المشهد الحالي يقدم درسًا مهمًا في فهم القوة الدولية.
الدولة قد تمتلك اقتصادًا كبيرًا ومؤسسات دولية وعلاقات متعددة مع القوى الكبرى ثم تواجه اختبارًا يكشف حدود نفوذها. ودولة أخرى قد تبدو في مرحلة ما معزولة ثم تجد فرصة لإعادة بناء موقعها عندما تتغير موازين القوى.
لذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم لا يتعلق بما إذا كانت الهند قوة اقتصادية كبرى. هذه حقيقة واضحة. السؤال يتعلق بمدى قدرة الهند على تحويل قوتها الاقتصادية إلى نفوذ سياسي مستقل وعلى حماية خياراتها الاستراتيجية أمام ضغوط القوى الكبرى.
وفي المقابل، يتعلق السؤال بالنسبة إلى باكستان بقدرتها على تحويل اللحظة الحالية إلى مسار طويل الأمد.
خلال عام واحد تبدلت كثير من الحسابات في جنوب آسيا. عملية “السندور” كشفت جانبًا من ميزان القوة العسكري. والتحركات التي تلتها كشفت جانبًا آخر من ميزان القوة الدبلوماسي.
والنتيجة الأهم أن القوة الدولية لا تقاس بحجم الاقتصاد وحده. كما لا تقاس بعدد التحالفات أو العضوية في المؤسسات الدولية. الاختبار الحقيقي يظهر عندما تتعرض الدولة لضغط مباشر وعندما تحتاج إلى حماية مصالحها وسط صراع القوى الكبرى.
من هذه الزاوية تبدو قصة الهند وباكستان خلال العام الأخير واحدة من أكثر دروس جنوب آسيا أهمية في فهم الفرق بين صورة القوة وحقيقة النفوذ.
المقال باللغة الأردية كتبه المحلل العسكري الباكستاني رعايت الله فاروقي وتم نقله إلى اللغة العربية بواسطة ثاقب أحمد والآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News.