آراء و مقالاتالحرب التجارية

مواجهة اقتصادية على المكشوف: كيف توازن الصين بين النمو والسياسة؟

تعبيرية (trendsresearch)

حسن محمود

تصاعدت التوترات التجارية بين الصين والولايات المتحدة خلال الأشهر الماضية ولكن الأداء الأخير للصادرات الصينية يشير إلى قدرة بكين على التكيف واستغلال أسواق بديلة لتعويض الخسائر في السوق الأمريكية وهو ما يحمل دلالات اقتصادية وسياسية عميقة.

أولا: قوة الصادرات الصينية وأثرها على الاقتصاد المحلي
ارتفعت الصادرات الصينية بنسبة 8.3% في سبتمبر لتبلغ 328.6 مليار دولار متجاوزة توقعات النمو البالغة 6.6%. هذا النمو يعد أعلى معدل شهري منذ ستة أشهر رغم الانخفاض المستمر في الصادرات الأمريكية بنسبة 27% للشهر السادس على التوالي. يعكس هذا الاتجاه قدرة الصين على تنويع أسواقها وتعزيز الطلب على منتجاتها في الاتحاد الأوروبي وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ودول آسيان ما يخفف الاعتماد على السوق الأمريكية ويحد من أثر الرسوم الجمركية.

الأداء القوي للصادرات له أثر مزدوج:
دعم الاقتصاد المحلي المتأثر بالركود والانكماش العقاري.
منح الشركات الصينية قدرة أكبر على مواجهة أي إجراءات أمريكية جديدة بما في ذلك الرسوم المحتملة.

كما يعكس هذا النجاح الصيني قدرة الدولة على إعادة توجيه سلاسل التوريد عبر دول ثالثة ما يقلل تأثير السياسات الأمريكية على حجم التجارة الخارجية.

ثانيًا: المعادن النادرة وأدوات الضغط الاستراتيجي
أدت القيود الجديدة على تصدير العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية إلى تصعيد النزاع التجاري. هذه المواد أساسية في تصنيع الهواتف، البطاريات وأجهزة الدفاع العسكرية بما في ذلك طائرات F-35 والغواصات والصواريخ. تسيطر الصين على 90% من معالجة هذه المعادن و70% من الإمدادات العالمية ما يمنحها قدرة كبيرة على استخدام القيود كورقة ضغط.

الولايات المتحدة من جانبها تحاول تأمين وصولها إلى هذه الموارد عبر استراتيجيات متعددة تشمل الاستثمار في المناجم المحلية والخارجية وفرض قيود على صادراتها التقنية إلى الصين، مثل الرقائق المتقدمة لشركة Nvidia. هذا الصراع يعكس تحول الحرب التجارية من مجرد رسوم وجمارك إلى استخدام الموارد الحيوية والتكنولوجيا كأدوات ضغط استراتيجية.

ثالثًا: تداعيات التهديدات الأمريكية واستجابة الأسواق
هدد الرئيس ترامب بفرض رسوم بنسبة 100% على السلع الصينية، إضافة إلى قيود على البرمجيات الحيوية ما أدى إلى تقلبات حادة في الأسواق الأمريكية حيث فقدت أسهم الشركات الكبرى قيمتها بسرعة. ورغم محاولة ترامب تهدئة المستثمرين، تبقى الأسواق متأثرة بإمكانية تصعيد النزاع.

رد بكين جاء بمواجهة متوازنة مؤكدا أن القيود مشروعة دوليًا وأن التأثير على سلاسل التوريد سيكون محدودًا. كما فرضت رسومًا على السفن الأمريكية المتجهة إلى موانئها كإجراء دفاعي متبادل.

رابعًا: التحليل الاستراتيجي للموقف
الصين أظهرت مرونة في إدارة النزاع عبر:
تنويع الأسواق وإعادة توجيه الصادرات.
تعزيز سيطرتها على المعادن الحيوية لتكون أداة ضغط استراتيجية.
تقديم قيود واضحة على الاستخدام العسكري للمنتجات المصدرة ما يخفف الانتقادات الدولية.

أما الولايات المتحدة، فتسعى لموازنة نقص الموارد الاستراتيجية عبر:
فرض قيود على التكنولوجيا والصناعات الحساسة الصينية.
تعزيز المخزون الوطني من المعادن الحيوية عبر البنتاغون.
بناء شراكات خارجية مع دول غنية بالموارد الاستراتيجية.

وفي الختام، النزاع التجاري بين الصين والولايات المتحدة يتحول تدريجيًا من حرب رسوم إلى صراع استراتيجي حول التحكم بالموارد والتكنولوجيا الحيوية. الصين تحتفظ بورقة ضغط قوية عبر سيطرتها على المعادن النادرة والتصنيع الحيوي ما يجعل أي تهديد أمريكي لفرض رسوم ضخمة محفوفًا بالمخاطر.
الأسواق العالمية بدأت بالفعل تظهر التأثر فيما يبقى الحوار المباشر بين ترامب وشي جين بينغ، المتوقع على هامش قمة آسيا والمحيط الهادئ، العامل الحاسم لتحديد مسار العلاقات التجارية في الأشهر المقبلة.

يمكن القول إن الصين نجحت في إعادة تعريف قواعد اللعبة مستغلة نقاط ضعف الولايات المتحدة، بينما تواجه واشنطن تحديًا في التوازن بين الرد الاقتصادي وحماية مصالحها الاستراتيجية دون تصعيد شامل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى