آراء و مقالات

أمريكا والشرق الأوسط: قراءة جيوسياسية في ضوء الحرب الراهنة

تعبيرية (dawn)

حسن محمود

لطالما أشرنا إلى أن الإمبراطوريات في مرحلة الانحدار تميل إلى الانخراط في الحروب. السؤال الأهم هو، لماذا تلجأ هذه الإمبراطوريات إلى الحرب؟ الإجابة بسيطة: عندما تضعف الإمبراطورية تصبح مسألة سقوطها محورا للنقاش العالمي. يتناول الخبراء السياسيون والمحللون الجيوسياسيون هذه الظاهرة ويبدأ اللاعبون الرئيسيون على الساحة الدولية بإرسال إشاراتهم وتحركاتهم. إضافة إلى ذلك، تظهر بعض الدول الأصغر التي ترتبط بالإمبراطورية المتدهورة نوعا من التفاعل أو التحدي مما يزيد من الضغط النفسي على الدولة الكبرى.

لكن السبب الأعمق لانخراط الإمبراطوريات في الحروب يرتبط بالجانب الاقتصادي. غالبا ما تبحث الإمبراطورية المتدهورة عن موارد جديدة لتدعيم اقتصادها الضعيف واستعادة قوتها. في هذا السياق، تبدو الحرب خيارا مباشرا لتحقيق هدفين: السيطرة والنفوذ، بالإضافة إلى الحصول على موارد يمكن أن تدعم الاقتصاد الوطني. الحرب تصبح إذن وسيلة لتعويض الخسائر الاقتصادية وإعادة ترتيب النفوذ على الساحة العالمية.

يمكن أن نرى مثالا على ذلك في تصريحات السيناتور الأمريكي ليندسي جراهام خلال مقابلة تلفزيونية حيث أشار بشكل صريح إلى هذين الهدفين: التحكّم في المنطقة وكسب الموارد لتعزيز الاقتصاد. وأوضح أن الحرب الحالية ستغيّر ملامح الشرق الأوسط بالكامل وستتيح فرصا مالية كبيرة للولايات المتحدة مما يعكس محاولة للتعويض عن ضعف الاقتصاد الأمريكي والحفاظ على صورته العالمية.

التاريخ يقدم لنا دروسا مهمة حيث فشلت محاولات الإمبراطوريات المنهارة على مر العصور في تحقيق أهدافها الحربية. بريطانيا والاتحاد السوفيتي مثالان واضحان على ذلك. وفي السياق الراهن، تُظهر أحداث الحرب الأخيرة مدى توتر الولايات المتحدة ويظهر ذلك جليا في تصريحات جراهام التي تعكس قلقه من الموقف السعودي. فحكمة الرياض في إدارة الملف تحظى بتقدير واضح وعكس ذلك يغضب واشنطن ما يجعل السعودية تتحرك بحذر شديد.

وعندما نصف الولايات المتحدة بأنها إمبراطورية متدهورة ينزعج البعض ممن يعتمدون على الدعم الغربي لمصالحهم الخاصة. من المهم توضيح أن التحليل هنا لا يقوم على رغبات شخصية أو إعلامية بل على الحقائق الجيوسياسية والوقائع الميدانية الواضحة.

الولايات المتحدة اليوم ليست نفسها كما كانت قبل عقود فمثال فيتنام يوضح أن الحروب الطويلة لا تضعف قوة الإمبراطورية دائما. الولايات المتحدة بعد فيتنام لم تفقد نفوذها واستطاعت بعد ست سنوات أن تكون الداعم الرئيسي للصراع ضد الاتحاد السوفيتي في أفغانستان وتلعب دورا رئيسيا في انهيار الاتحاد.

المشكلة في وسائل الإعلام المحلية تكمن في نقص الخبراء الجيوسياسيين الحقيقيين وغالبا ما يقتصر عمل المحللين على الأخبار السطحية. وعندما تبدأ الحروب، يتحول هؤلاء إلى “خبراء حرب” رغم عدم امتلاكهم لأي تصور دقيق عن المتغيرات الإقليمية والدولية.

التغطية الأمريكية غالبا ما تقلل من قدرة إيران على الرد حيث يبالغ بعض الخبراء في تصوير أي تحرك إيراني في مضيق هرمز بينما السفن والطائرات الأمريكية تتواجد خارج المياه الإيرانية والفيديوهات والصور المتاحة للجمهور تكشف ذلك.

حتى تحرك الأسطول الثالث الأمريكي الذي أُعلن عنه مؤخرا كان مبالغا فيه إعلاميا. فالاتصال الهاتفي بين ترامب وبوتين لبحث وقف الحرب بعد أيام قليلة، بالإضافة إلى تراجع الهجمات الإيرانية يشير إلى محاولات سرية لخفض التوتر ويعكس تأثير الدبلوماسية خلف الكواليس.

الحرب الحالية لم تكن هدفها الوحيد تحقيق أجندة نتنياهو بل جاءت محاولة من ترامب لتحقيق عدة أهداف في الوقت نفسه كما أشار إليه المحلل العسكري الباكستاني رعايت الله فاروقي في مقال نشره موقغ “We News“:

القضاء على إيران المقاوِمة ليصبح لإسرائيل الهيمنة الكاملة على الشرق الأوسط
تحييد روسيا في منطقة بحر قزوين لإضعاف موقفها في أوكرانيا
تقليص وصول الصين للنفط الإيراني مما يبطئ تقدمها الاقتصادي
استخدام إيران لتوفير مواقع استراتيجية لإسرائيل مع تأثير واضح على باكستان ومسألة الأسلحة النووية

في نهاية المطاف، تشير الوقائع إلى أن أي نجاح في وقف الحرب سيضع إيران في موقع قوة استثنائية ويعيد تشكيل توازن القوى في المنطقة بشكل شامل. هذه المعادلة تؤكد أن الاستراتيجيات العسكرية للإمبراطوريات المتدهورة ليست مضمونة النتائج في معادلات القوة الإقليمية والدولية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري ل UrKish News.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى